فن وثقافة

رغيف خبز كامل.. قصة للكاتب فؤاد ديب

كانت تمسك إبريق الوضوء النحاسي، ففي تلك الأيام لم نكن نمتلك من المتاع في هذا العالم سوى ستة أشياء، إبريق الوضوء النحاسي وصوت الأذان خمس مرات في كلّ يوم، وأجزم أننا كنا أغنياء حد التخمة.

ففي المخيم أنت الزاهد الناسك العابد المتوحد مع الجدات وهن يلملمن سعال المؤذن ونحنحته كي يسقين أحفادهن آخر شربة ماء قبل أن يبدأن بالصلاة والدعاء، وكن يضفن على الدعاء سراً من أسرارهن فدائماً ما كن يقلن: “الحب هو الدعاء”.

جدتي لم تكن تعرف من القرآن سوى سورة الفاتحة وسورة الاخلاص وسورة الكوثر، لهذا لم نكن نشعر بالعطش، أما هي فكانت في كل صلاة تقرأ القرآن كله خمس مرات في اليوم.

حين ذاك كنت في السادسة من عمري، وتلك الصورة الضبابية وأنا أكسر ضوء الخامسة من صبح أول يوم صيام لي لا تلبث تتلاشى كلما تقدمت بي السنون تتلاشى طوال أيام السنة وتعود ما بين الخامسة والسادسة مساء في كل يوم من أيام رمضان.

فهذان الوقتان متشابهان الخامسة صباحاً والخامسة مساءً وأنا بينهما أحاول ابتلاع لعابي وكلما استبد بي العطش قالت لي جدتي: توضأ يا صغيري كي تصلح ما ينكسر في نفْسك و نَفَسِكَ مقدماً، ومما قد يعلق بها من الخطايا، فالذنب أوله النَفْسُ وآخره النَفَس حين يشم من حولك كلامك، والذنب مثل النَفْس إن تكبرتْ يكبر وإن تواضعتْ يذوب، فتوضأ يا صغيري لن تشعر بعطش وبعد كل وضوء اقرأْ سورة الكوثر كي يمر نهر من بين يديك الصغيرتين.

“لا تتركيه يصوم دون سحور”، ما زال صوت جدتي وأنا أترنح فوق الخيط الأسود والخيط الأبيض ممسكاً بالنعاس مثل عصاً طويلة وأنا أسير فوقه مثل لاعبِ سيركٍ على حبل، النوم يجذبني وأنا أصارع يد أمي التي تدخل لقمة الخبز في فمي وأنا أرجوها (ما بدي افطر أَذن والله أَذن) وهي تقول لي لم يتشهد بعد.

وهكذا لم أعرف حتى اليوم إن أكلتُ أو شربتُ قبل أن ينطق المؤذن بالشهادتين، لأن النوم انتزعني من الصحو ولم أستيقظ إلا وجدتي تزرع الظهيرة بالدعاء كي تحصدها عند العصر قبل عودة جدي من الحرب.

كان جدي يذهب كل نهارٍ ليحارب ويعود حاملاً معه أرغفة خبزٍ وبعضاً من الرزق، وعلى الرغم من انتصار الفقر في نهاية كل يوم إلا أن جدي لم يهزم.

كان جدي رقيق العود ممشوقاً كقد السيف، عروق يديه المجعدتين نافرة كوشم، لم يصم طوال حياته ومع ذلك لم نره يأكل أو يشرب سوى مرة واحدة عند العشاء، وفيما بعد عندما هرم الفقر كثيراً – ومات مع أول عمل لنا – عرفنا أن جدي لم يكن يصوم كل اثنين وخميس كباقي الزهاد، لكنها حين توفي طوت جدتي سجادة صلاته وقالت تقبل الله صلواتك الخمس في كل يوم وصيامك السبع كلّ أسبوع، من يومها صارت توزع علينا بعد وفاته رغيف خبز كامل.

كنت ذلك الطفل الذي ينتظر أول أيام صومه كي يشعر أنه أصبح رجلاً وأن أمه سترسله إلى المسجد مع جده، جده الذي حمل في يوم من الأيام “تنكة الباطون” وعمل منذ الصباح وحتى المساء مع ورشات توسعة المسجد وحين جاؤوا كي يدفعوا أجره.

قال لهم: لكم مالكم ولي عملي .. وما قصة الخبز والملح التي كنا نسمع عنها حين كبرنا سوى خرافة من الخرافات التي ترويها الأمهات لأولادهن قبل النوم، فالفقراء لم يمتلكوا في يوم من الأيام رفاهية الملح بل كان الماء بديلاً عند كل وجبة وما زالت أمي تذكرنا حتى اليوم بحكمتها الخالدة ” خبزٌ وماء أكل العلماء”.

وكنا وما زلنا نصدقها لهذا كان طلاب المخيم دائمي التفوق فكل ما كانوا يتناولونه طوال طفولتهم هو طعام وشراب العلماء الذين ما زالوا حتى اليوم يصلون وتلهج ألسنتهم بالدعاء للأيدي المباركة التي ساعدت في بناء المسجد وقدمت كل ما ملكت حتى لو كان قوت يومها – في سبيل ما آمنت به – جدي الذي كان يتمتم بالفاتحة تماماً مثل جدتي لم يصمْ رمضان بل صام الدهر كله حرفياً وليس على سبيل المجاز.

أنا الولد الرقيق الذي كان يزن الليل في كفٍ والضوء في كف وحين ترجح كفة الليل يتناول إفطاره وحين ترجح كفة الضوء يتوضأ لصلاة الفجر، أنا الولد الذي ظن الجميع أنه أحدب ولم يعرفوا أنني الولد الذي ناء وهو يحمل الجوع فوق كتفه كذنب عظيم وقد خبأه تحت ثيابه ندبة فقر.

أنا الولد الذي جلس على حد الصوت كضرير فلم يوقظني اعتراف الديك، أنا حفيد الذئب كبرت عند اكتمال القمر لهذا كنت أعوي تحت الضوء كي أوقظ الناس للسحور أنا الولد الخمسيني في كل يوم من أيام الصوم أتناول إفطاري وأمامي الكثير من الطعام، لكن وبعد كل هذا العمر ما زلت أتخيل وأتذكر حلاوة حصتي من رغيف الخبز الذي زاد بعد وفاة جدي.

رغيف خبز كامل
بقلم الكاتب الفلسطيني| فؤاد ديب

موضوعات متعلقة

تعليق واحد

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى