مقالات

مفهوم الحداثة بين التقليد والتفكير

لا تخلو أحاديث الناس من المقارنات بشكل أو بآخر وإن كانت دون قصد، فنلجأ في مختلف أمور حياتنا اليومية لمقارنة الوضع الحالي بالسابق في كل شيء.

ذات مرة كنت أستمع إلى أحد النقاد العرب المهتمين والمختصين في الثقافة والفنون وقّيم أحد الأعمال الفنية لأحد الفنانين المخضرمين ووصفها بالطريقة القديمة والكوميديا القديمة، وهنا لفتني هذا المصطلح الذي لم أعتد سماعه لكنه اخترق سمعي ودماغي وفكرت في معنى ما قاله، ثم سألت نفسي هل تشيب الضحكة والعاطفة والموهبة؟ أم أن القلب هو ما يشيب؟

بدأت بإعادة التفكير في كثير من الأمور التي نحكي عنها سلباً أو إيجاباً بطريقة آنية وعابرة دون التفكير في معناها أو أبعادها وصلتها بحياتنا، فمعظم الناس يستفيد من التطور التكنولوجي الحالي وبأشكاله المتعددة بدءً من هاتفه المحمول ووصولاً إلى الأدوات المنزلية التي أصبح معظمها متوفراً بمميزات مغرية تسهل الحياة وبشكل جميل وبعضها بثمنٍ معقول قياساً بوضع الطبقة الوسطى في مجتمعاتنا العربية، ومع ذلك لا زال الجميع متذمراً باحثاً عن شئ ينقصه رغم أنه مواكب لجميع مظاهر التطور الذي يشمل ما نقتنيه من أشياء وأزياء وأفكار وقناعات وعادات وكلمات ونمط حياة وعمل وتعليم ننغمس فيه عاطفياً وذهنياً بكل ما فينا لكنه لا يحقق لنا الشعور بالإكتفاء، فيطفو الماضي على السطح بثوبه الشاعري الملائكي ليسألنا هل حالك اليوم أفضل؟

وبنظرة سريعة نلقيها على وسائل الإعلام المختلفة وصفحات مواقع التواصل الإجتماعي سنجد أن معظم الأشياء والأفكار والمواضيع متاحة ومكررة بصورةٍ مزعجة فلا ابتكار فيها، إذ أنها مجرد استنساخ لتجارب غربية أو تجارب للآخرين، فلا جديد يبهرنا رغم نقاء الصورة واستخدام التقنيات ويبدو واضحاً خضوع الكثير من هذه الوجوه للعديد من الدورات التدريبية والورش الفنية (ولسنا ضدها من حيث المبدأ) والتي أخذت من الإعلام والفن أكثر بكثير مما أعطته، وحولت جميع المقبلين عليها لمجرد نسخٍ من بعضهم، بنفس الإنفعالات والضحكات وردات الفعل وحتى في طريقة اظهار الحزن، فقتلت بإسم التطور التميز والإبداع والموهبة، وانفراد كل شخص بما يميزه، وألغت بصمته، لتجعل من الجميع مجرد آلاتٍ تقوم بنفس الوظيفة ويمكن استبدالها بسهولة لأنها لا تملك أي شيء مميز، وتحولت من قلبٍ نابض إلى مجرد نسخةٍ بشرية من الأجهزة الذكية، لأن المحتوى هزيل والإعداد ضعيف واللغة ركيكة وأن تم حشر المصطلحات الغربية فيها لتبدو أكثر عصرية، ففقدت جزءًا أساسياً من كيانها كإنسان، بفقدها احساسها بالأشياء وقدرتها على التعبير عنه بتلقائية، والتفاعل معها بما يشبهها.

لتقريب هذه الفكرة أكثر فأكثر اعتدنا في الشعر العربي على تميز طريقة كل كاتب فكان إحساسه جديداً ومختلفاً فمحمود درويش يختلف عن نزار قباني وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين وأدونيس وأنسي الحاج والصغير ولاد أحمد ومعظمهم التقى ببعضه في مناسبات مختلفة جمعت أقطاب الفكر العربي، فكان لكلٍ منهم نكهته الخاصة وكنا نستطيع تمييزه بسهولة.

وعلى صعيد التمثيل برغم أن دوراً مثل دور الأم يحسب بعض المشاهدين أنه دور سهل من ناحية الأداء إلا أن في الأجيال السابقة في مصر وسوريا ولبنان والأردن والمغرب العربي كان هناك حضور خاص وطبيعة خاصة تميز أداء كلٍ منهن حيث خلقت لنفسها طريقةً تميزها تجعلنا نحبها ونشتاق إليها والأهم من هذا كله تجعلنا نصدقها، لأن الفن الحقيقي هو مرادف للصدق، عكس مانرى حالياً من تشابه في الأداء والإنفعالات لا يشبهنا كمجتمعات وقامت الورش الفنية بقولبة وتنميط طريقة الأجيال الجديدة، مع أن الجيل الذهبي في شتى المجالات عربياً لم يدرس الشعر أو التمثيل لكنه امتلك موهبة واحساساً أصبحت مرجعاً، وشتان بين الإحساس بالحالة الإنسانية وبين تقنيات الأداء التي تعطينا أداءاً جيداً وعادياً لكنه لا يلامس القلوب.

وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية وهي أن التطور في مجتمعاتنا العربية يبدأ من عقولنا وفهمنا لمعنى التطور، فالتطور لا يعني محاكاة التجارب والنمط الغربي في أي مجال، بل ببناء فكر جديد ينبع من بيئتنا،يشبهنا، يتحدث عنا مع الإستفادة من تجارب من سبقونا، والذين كانوا متطورين بشكلٍ فعلي دون أن يفقدوا بصمتهم، واستخدام عقولنا في نقد الأفكار الجديدة قبل الحكم عليها، فلا أحكام مسبقة ولا تبعية عمياء، وقد تكون الأفكار جميلة ومميزة لكنها لا تناسبنا، بل تناسب المكان الذي أتت منه وتشبه أبناء تلك الثقافة، وعلينا فهم أن ما يناسب الآخرين لا يناسبنا بالضرورة وهو جميل في مكانه.

التطور والحداثة تنبع من العقل، والإحساس بمعنى كل شيء وفهم قيمته الحقيقية لنرى بوضوح أين نتطور وكيف نتطور بما يضيف إلينا ولا يأخذ منا، ويجعلنا نخطو حقاً إلى الأمام عندما نستفيد من تجارب الماضي.

بقلم| خالد جهاد الملخ

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى