فن وثقافة

الحب والاتجاه الإجباري

الحب والاتجاه الإجباري، هل تختلف مشاعر الحب عن الكراهية؟ الغضب، الرضا، التسامح، العناد، الإصرار، القبول، الرفض، اعتقد أن الحب قابل للتعديل والتغيير، ولذلك يُخطئ تماما من يظن أن الحب يرتبط ارتباطاً حصرياً ابدياً بشخص بعينه لايمكنه الفكاك منه.

قد يعاني هذا مؤكد، قد ينال من الألم هذه حقيقة، قد يصاب بخيبة أمل هذا واقع، قد يتحول الحب إلى ذكرى يشوبها حتى استحقار الخطوات التي مشاها في ذلك الطريق، أو الأماني التي كان يتمناها.

وإن كل من يعتقد أنه لايستطيع الفكاك منه، يخالف السنن الكونية، بل اعتقد جازما أنه إنسان عدائي أكثر من أنه متسامح، فالظالم يمكن أن يعدل، والحاقد يمكن أن يسامح، ولنقس هذا على جميع السلوك وعكسها.

فالظلم سلوك مثل سلوك الحب، يمكن أن يتحول إلى عدل، والغضب يمكن أن يتحول إلى رضا، والرفض يمكن أن يتحول إلى قبول، والتطرف في أي شعور أو سلوك، ممقوت في الحقيقة والخيال، كما أن الاعتدال ممدوح في كل مجال.

الحب والاتجاه الإجباري ، إن الحب الذي نقرأ عنه في الأدب العربي، سواء قديماً أم حديثًا، إما أنه كان قبل الارتباط وحال بين ذلك الارتباط عوامل مختلفة، أو أنه من تأليف الخيال.

عنترة العبسي مجنون عبلة، عندما أحب ابنة عمه، وقال فيها أبلغ ما قيل في جنون الحب، (وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ مِنِّي
وَبِيضُ الْهِنْدِ تَقْطُرُ مِنْ دَمِي فَوَدِدْتُ تَقْبِيلَ السُّيُوفِ لأَنَّهَا لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ الْمُتَبَسِّمِ).

أي جنون هذا الذي جعله يتذكرها وسط المعركة، والسيوف تقطع الرؤس، والرماح تمزق الأجساد! لم يتذكرها فحسب، وإنما أراد تقبيل السيوف اللامعة التي أن قرب منها فأنما يقترب من حتفه.

والمصادر تقول أنه لم يرتبط بعبلة، ولم يتزوجها، وكذلك قصة حب قيس (مجنون ليلى)، فإن ذلك الحب ايضا لم يفضي إلى الارتباط والزواج.

قال رائي الناس أن علامات النجوم

في سَـــــوادِ اللَيـــلِ فَـــــردًا يَمــانــِـيا

أَعِدَّ اللَيالي لَــيـلــَةً بَـعــــدَ لَـيــلــَةٍ

وَقَـد عِشــتُ دَهـــراً لا أُعِـــدَّ اللَيــالِيــا

ذَكَـت نارُ شَــوقي في فُــؤادي فَأَصبَحَتْ

لَها وَهَجٌ مُستَضرَمٌ في فُؤادِيـــا

وَلا سِــرتُ مـيـلاً مِن دِمَشقَ وَلا بَدا

سُـهَـيْـــلٌ لِأَهــلِ الشــامِ إِلّا بَــدا لِيـــا

اعتزل قيس الناس وذهب إلى شعب من الشعاب ومات هناك فوجدوا تحت رأسه هذه الأبيات، (تَوَسَّدَ أحجارَ المهامِهِ والقفرِ وماتَ جريح القلبِ مندملَ الصدرِ، فيا ليت هذا الحبَّ يعشقُ مرةً، فيعلمَ ما يلقى المُـحِبُّ من الهـجـرِ).

هذه القصص يؤكد الكثير من الكتاب ومن أبرزهم الأديب طه حسين أنها قصص غير حقيقة، مثلها مثل الرويات التي نقرأها اليوم، هل هناك قصص حب حقيقية؟

أعتقد أن هناك قصص حقيقية لكني اعتقد ايضا أن اللغة الأدبية التي كتبتها أدخلت فيها المجاز، وأحاطتها بهالة من المبالغة والإثارة، وهو مما لابد منه في (حبكة) القصة، فالأديب مصطفى صادق الرافعي، وأنت تقرأ له في “أوراق الورد” أو “حديث القمر” أو رسائل الأحزان، والسحاب الأحمر تقرأ اسفاراً لايشبهها أسفار في الحب والجمال.

يقول في السحاب الأحمر: “رأيت وجه فتاة عرفتها قديماً في ربوة لبنان، ينتهي الوصف إلى جمالها ثم يقف، كنت أرى الشمس كأنما تجري في شعرها ذهباً، وتتوقد في خدها ياقوتاً، وتسطع من ثغرها لؤلؤة”، ثم يصرح في “رسائل الأحزان”، فذكر أن صاحبة هذه الرسائل سورية مسيحية، والتي كانت محور رسائله كلها في كتابه ذلك “رسائل الأحزان”، ومنها هذه الرسالة الرابعة عشر:

كم أسأل الدُّرَّ عن معناكِ باسمةً

والوردَ عن لفظة قد أطبَقَتْ فاكِ

لا الدرُّ يَدري ولا في الورد لي خَبَرٌ

أروية عن شفتيكِ أو ثناياك

يا نَجمةً أنا في أفلاكِها قَمَرٌ

من جَذْبِها ليَ قد أضللتُ أفلاكي

النارُ بالنار لا تُطفَا إذا اتصلتْ

فكيف أصنعُ في قلبي لينساكِ؟

كان الرافعي يسمي المرأة (شيطانا) ويقصد بها شيطان الشعر، ويعتبرها الملهمة، وكان كلما أراد أن يكتب كتاباً وضع نصب عينه امرأة حقيقية، لكن كان اتصاله بها روحي فقط، رغم حقيقة وجودها، وتبادله رسائله كما صرح كثيرًا.

ولعلي في الحلقة القادمة أسيطر على تشعبات الموضوع، وأتمكن من مسك “خيوط اللعبة”، واختتم هذا الموضوع متمنيًا لكم حباً صادقا، وحياة سعيدة.

الحب والاتجاه الإجباري
بقلم| مقبول الرفاعي

كاتب يمني

موضوعات متعلقة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى