ثقافة

بليمار.. قصة جديدة للكاتب أحمد جودة

 

يغرق بليمار في أكوام المجلات الملقاه بعشوائية أسفل البيانو العتيق الوحيد في صالة شقتة ذات الطراز المعماري القديم في إحدى بنيات وسط البلد، حيث تنعكس أضواء المحال الحديثة لتخترق صمت سنين تلك الشقة العجوزة زمنا.

 

ووحده وكعادتة كان يبحث بليمار عن إحدى مجلات هواة المراسلة القديمة ليصطاد زبائنه كل خميس، يسحب التليفون ويختار اسم من تلك المجلة.

 

بليمار: أنا بليمار قريت اسمك في مجلة المراسلة وأشعر بالرغبة في التعرف عليكي اقابلك اليوم أسفل كوبري قصر النيل ستجديني طويل وسيم أرتدي قبعة وسوف اعرفك تماما حينما أراك.. سأنتظرك.

 

ينهض بليمار ويذهب إلى الحمام ينظر في المرآة قليلا، هو منذ عشرة سنين دون شعر برأسه ولا حاجبيه يبدو وكأن وجهه قناع في إحدى الأفلام الأجنبية المرعبة، يخلع ملابسه يتحسس جسده منزوع الشعر كان أملس تماما.

 

يقترب من النافذة بعد غلق الأنوار يتلصص قليلا من خلف نافذة الحمام فهذا ميعاد حموم جارتة البدينة والتي يستمتع كل يوم بالنظر عليها ليحرر بعض من طاقاته المكبوتة، يتصبب عرقا يتاوه ثم يلين جسده ويلقي بنفسه في مغطس المياه يغوص وينهض باكيا راكلا كل شئ حوله صارخا، يخرج من الحمام جاريا إلى البيانو يعزف موسيقى صاخبة غير منغمه.

 

 
يدخل بليمار الحجرة الأولى من ثلاث حجرات في شقتة الفارهة يجلس على كرسية الأنيق والذي يقابلة كرسي آخر هزاز وليس سواهما في الحجرة، يدخن سيجار عريق، وينظر الضوء المبعوث من لوحات الإعلانات المنعكس مع بزوغ الفجر ليعطي حالة من السحر داخل الحجرة المطلة على الشارع الصاخب بالمحلات.

 

يختفي في أشلاء الذكريات قليلا يذكر والده برابطة العنق القصير ومنديلة الحرير الناعم وشعره الناعم المسترسل لجبهته فوق عيونه الزرقاء وهو يداعب أمه سليلة العائلات الارستقراطية ذات الإبتسامة الدائمة على وجهها.

 

كان بليمار طفل مدلل كان ابتساماته وهو صغير هي ثمن حصوله على كل مايريد، ينتبه بليمار إلى دخان السيجار المتصاعد يملأ الحجرة بلونه الرمادي، ينهض بليمار ويرتدي ملابسة وقبعتة ويسير إلى الباب ويطفئ المصباح الوحيد في شقتة بالصالة الأثرية.

 

هناك أسفل كوبري قصر النيل تراه هي قادما وسيم طويل أنيق، يجالسها على ضفاف النيل المزدحم بالباعة والمارة وقصص الحب المنتهية والقصيرة، وسياح يبدو وكأنهم في حديقه حيوان يشاهدون أنواع غريبة من الحيوانات المترامية على الأرصفة يطلبون المسكن والطعام، ينظرها بليمار جميلة بشعرها المتطاير وأنوثتها المركزة بين نهديها وشفاها.

 

بليمار: اسمك ندى صح

ندي: وأنت بليمار اسم غريب

بليمار: الليلة كل حاجة غريبة

ندي: مش فاهمة

بليمار: أقصد إنكِ تعرفت عليا بطريقة غريبة

 

تومئ ندي براسها طاردة أفكار غريبة تتصاعد إلى رأسها وتحاول أن تسمعه جيدا

 

بليمار يحكي لها عن بيته الراقي والأثاث الفرنسي الصنع والمهارة وحياة الأمراء التي يحياها، وتنبهر ندي وتنصت ويستمر بليمار يحكي عن أجدادة الأمراء وحكايات الملك مع المحظيات فكان أبوه أمين سر في إحدى القصور الملكية، وأمه وصيفة خاصة للأميرة فوزية، هو لم يبقى معهم كثيرا فقد غادروا مع الملك المطرود وبقي هو مع جدته العجوز التي توفت العام الماضي.

 

يتأرجح ماسح الأحذيه الحقير بين كلمات بليمار مقاطعا

 

ماسح الأحذيه: تمسح يا أستاذ

بليمار ينظره بقسوة ثم يبتسم ابتسامة غريبة لها معني غير صافي، تلعب توس على الصندوق

ماسح الأحذية: ده أكل عيشي يا بيه

بليمار يخرج مائتي جنيه ويعطيهم لماسح الأحذية ثم يخرج بعمله معدنية

بليمار إذا فزت يكون من حقك الصندوق والمال وإن لم تفز فمن حقي كلاهما

ماسح الأحذية: يفكر قليلا بنظرة شغف للنقود ( نجرب يا بيه)

 

يلقي بليمار بالعمله بين ذهول ندى الصامتة المترقبة لتسقط العملة لتدمر حلم هذا الفقير ماسح الأحذية ويمسك بليمار بالصندوق ويسحب المال من بين يدي الرجل الواجم الساكت المهزوم.

 

تصرخ ندي ويضحك بليمار بصوت مفترس ويقف ويدور حول نفسه مرات ثم يلقي بالصندوق في النيل بين صرخات ندى ودموع الرجل العاجز.

 

بليمار: دائما أفوز يا سيدتي فأنا مقامر جيد

 

ندى تحاول لملمة إدراكها بين نظرات بليمار وانسحاب الرجل الفقير بعيدا بخطوات ثقيلة ونهاية بجانب السور مذهولا يمد يده للمارة.

 

بليمار: فلنغير المكان سنذهب إلى شقتي

ندى بذهول: كيف لا يمكني

بليمار: سنذهب

ندى: مستحيل

وأمام الشقة يتنهد بليمار ويبتسم ابتسامه النصر

بليمار: في شقتي مفاجآت كثيرة تفضلي

 

تدخل ندي لترى بهو شاسع دون أثاث فرنسي أو مصري لم يكن هناك غير البيانو وأكوام المجلات وأكواب المشروبات الملقاة في كل مكان لم ترا سوى أكوام من الأتربة والملابس المتسخة، ترتبك وتظهر علامات الخوف والفزع وهي تسمع صوت غلق الباب بمفتاح يمسك به بليمار قليلا قبل أن يلقية من النافذة الوحيدة في الصالة، تجري ندى على النافذة وتلقي نظره.

 

ندى: ده معناه ايه

بليمار: الشقة دي فيها مفتاح تاني لو لاقيته هتخرجي اتفضلي (يدفعها بقوة ويدخلها الحجره الأولى).

تدخل ندى وتجلس على الكرسي الأنيق، يدفعها بليمار إلى الكرسي الهزاز.

بليمار: هذا مكانك

ندى تجلس وهي في حالة عصبية فيزداد الإهتزاز مع زيادة أضواء الإعلانات.

ندى: أنا مش خايفة أنا مستغربة، أنا مش بخاف من حد (بتلعثم )، أنا عايزة أعرف في إيه.

يقف بليمار يدور حولها كذئب ينتظر لحظة الانقضاض على فريسته.

 

بليمار: كانت ليالي دافئة تلك الليالي في وسط الليل الصارخ بمجون الشهوة تسير عرباته بين منحيات جسدك تعربد تسطر كلمات الرغبة في أركانك تتأوهين شراسة وتشدي من أطرافك حاضنة ومتلهفة لهمستة في أذنك ولمسة شفاك بأصبعه
تصرخين من لذة اللحظة ودفء التوحد.

 

تنظر ندى متوجعة بهذيان يعتري جسدها يخترق أبواق مسامعها، يخلع بليمار قبعته ليبدو وجهه الدميم واقع مرعب لأطراف ندى المتصلبة، والتي تصرخ وتنهض تبحث عن المفتاح بين أكوام المجلات بين الأكواب والملابس تنظر مرة ومرة ومرة من النافذة بحثت في كل مكان.

 

يتأملها بليمار وقد شحب وجهه وأصابة سعال جاف كان يجر قدمه حتى جلس إلى البيانو وبدأ في عزف مقطوعتة الموسيقية المفضلة يتخللها نغمات السعال المزعجة.

 

تندمج طقوس بحث ندى مع تلك الموسيقى العالية، وتعتاد ندى الموسيقى فتستمر بهما رغم توقف العزف.

 

يأخذ بليمار بيديها ويراقصها بجنون موسيقاه حتى يصلا إلى باب الحجرة الثانية يلبسها قناع ماسح ليس له ملامح إلا لونه الأزرق القاتم ويفتح لها الباب.

 

تدخل ندى وهي تتراقص بجنون اللحظه لتجد في الحجرة لاشئ سوى مرآه أثرية الشكل والطراز لتنظر نفسها بقناع مرعب تصرخ وتجري مسرعة إلى الباب ليقابلها بليمار بكوب من ماء مثلج، تلتهم ندى الكوب وتجر قدميها إلى الكرسي الهزاز تختبئ بداخله ودموع تروي خديها خجل وعتاب.

 

ندى: كنت أراه حياه اشتاق إليه ناظرا متلهفا معتصما في محراب مفاتني مجربا كل الطرق للوصول إليها وسقطت نعم سقطت في هوة الشوق والرغبة، علمني أصول العفه في ليالي حمراء تطاردني عذريتي وحررني منها ففي تلك الليالي الحرية دين.

 

نستبق في لحظات الخلسة متعة ونعيم وتنتهي اللذة الأبدية وتسقط كل الأقنعة وأعود لأجد نفسي في بئر الرغبة فريدة يتلقفني من يرغب حرية أو دين فكلاهما سواء، وتعتصرني أحشائي جنين ثمن الغربة في سرائر الآخرين وتصنع مني امرأه بلا قيد أو دليل، أعيش الرغبة ثمن حبه الأول وياليته كان الأخير.

 

في ليالي قمرية يسطع بها القمر عاشقا أبكي عمرا وزمنا لم أتطهر لم يبقيني بجانبه جارية أسقية بيدي في تلك الليالي القمرية وأبكي وأبكي وأصرخ وأصرخ اصرخ اصرخ.. أنا لازم أخرج من هنا.

 

تنهض ندى وتهرول في أنحاء الشقة، تحطم البيانو وتبعثر المجلات وتوكل الأكواب تدور وتلف حول نفسها وتدور وتدور حتى سقطت أمام باب الحجرة الثالثة، يفتح لها بليمار الباب الثالث لتجد نفسها في عالم آخر يتبعها بليمار ليغلق باب الحجرة خلفها ويذهب لحمامه يتابع المرأة البدينة.

 

يشاهد منحنيات جسد المرأة الضخمة ويتأمل جيدا ولكنه لم يثار بل ذهب بخياله إلى عبارة الملك وهو يغادر مصر وعليها أبيه وأمه ويد جدته تمسك بيده الصغيرة جيدا يتذكر دموع الجدة التي كانت تمسك على يده.

 

وفِي الحجرة الثالثة تدخل ندى لتجد أرفف من الأكفان البيضاء يعلوها تلك الأقنعة المخيفة الزرقاء، يتدلي من سقفها مشنقة تخلع ندى ملابسها وتضع رقبتها بين دائرة المشنقة والتي يقع أسفلها كفن أبيض.

 

تتدلي ندى بين المشنقة وتسقط فتفتح الكفن وتجد المفتاح تمسك به وبملابسها وتهرول إلى الباب الرئيسي تفتح وتهرب من الزيارة.

 

يتجه بليمار إلى الحجرة الثالثة ويضع الكفن على إحدى الأرفف وعليه قناع ندى، يتجه إلى البيانو ويجلس إليه ويعزف تلك الموسيقى الغاضبة مع دخان السيجار العريق وابتسامه النهاية الزائفة.

 

بليمار
الكاتب| أحمد جودة

الوسوم

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock