ثقافة

الليلة الأخيرة.. قصة أحمد جودة

 

كان يعرف هذا الرسام أن هناك فأرا صغيرا يشاركه حياتة في تلك الشقة الصغيرة ذات الممر الصغير والحجرة الصغيرة الوحيدة التي ينام بها ويرسم بها.

 

كان هذا الفار دائم الحركة والنشاط وكلما ذهب الرسام بعيدا وأطفأ أنوار الحجرة يخرج هذا الفأر من جحره الصغير يمارس هوايته في البحث عن أي شئ يأكله بين أعقاب السجائر المترامية وزجاجات البيرة المرصوصة والألوان المسكوبة ومجالات الجنس المبعثرة.

 

كان الفأر يجتهد في أن يغير ملامح كل شئ، يتسلق اللوحات ويضاجع نساء المجلات ويرتشف قطرات البيرة ولا يجد ما يأكلة ولكنه اعتاد هذه الحياة.

 

كان فارا هزيلا في ليالي كثيرة يتنصت على الرسام كثيرا، إعتاد أنفاسه ونحيبه في ليالي خالية من مردية، يقف بعيدا يتأمله وهو يرسم يتذوق إحساس الرسام وخطوطة ودرامة لوحاته، واختار الفأر أن يعيش معه دون اتفاق أو مواجهة أو مقابلة، اعتادا أن يطمئن كل منهم الآخر من حين لآخر بترك بصمتة الخاصة في أركان الحجرة.

 

وفي تلك الليلة عاد الرسام متأزما صارخا لقد قابله صاحب المنزل وهدده بالرحيل عن المسكن هذه الشقة الصغيرة القبيحة إذا لم يستطع أن يسد ايجار السنين الماضية، ودخل الرسام الحجرة واضاء كل الأنوار كان بائسا عاجزا فتلك اللوحات المتناثرة المبعثرة في كل مكان لا يشتريها أحد ولا يملك إلا بعض كلمات الإعجاب من الأصدقاء أو من النساء التي يرسمها مقابل ليالي دافئة.

 

ويلقي الرسام بالفرشاة صارخا (سحقا لكل شئ) ارتمى على الكرسي الخشبي الهزاز الوحيد في شقتة وبدأ وكأنه مدفون في هذا الكرسي كلما تذكر حياته كلما ازداد إهتزاز الكرسي عشرون عاما منذ أن رحل عن قريتة الصغيرة ليأتي إلى أضواء القاهرة الشاسعة يلتهم من ثقافتها وشهرتها.

 

وبحث عن جحره ليعيش بها، ووجد هذا المنزل الحقير بأعمدته الدائبة المتهالكة في الصفوف المهمشة الخلفية من الشوارع الصاخبة النابضة بالحياة، ولكنه قبل هذا وكان دائما يصبر نفسه بكلمات زائفة (سوف يأتي اليوم الذي سيتحدث فيه القاصي والداني عن لوحاتي) ولَم يتحدث عنه احد غير الديانة الذين يطاردونه في كل مكان الطالبين مستحقات الغاز والكهرباء والماء والإيجار الشهري.

 

وفي تلك اللحظة وبينما كان الرسام غارقا في تلك الأفكار جامد النظرة والملامح شارد الذهن خرج عليه الفأر دون خوف من الضوء الكاشف لأركان الحجرة المتآكل من الرطوبة وتقدم وتقدم ووقف أمام الرسام توقف الرسام عن اهتزاز الكرسي (أنت الفأر الذي تفسد حياتي) يرأه الرسام فأرا نحيفا هزيلا وبإبتسامة الصديق يرحب به كان دائما يتمني رؤيته هذا الرفيق ياله من فأر قزم صغير كان الفأر يهتز قليلا يرتعش.

 

سأل الرسام نفسه (ترى هل هذا الفأر ثمل من قطرات البيرة النتنة أم أنه يرتعد خوفا مني نعم انه يرتعد خوفا مني ) ولكن الرسام آفاق على واقعة المرعب (إن كان يخاف مني كيف تجرا هذا الفأر الصغير على أن يظهر أمامي هكذا ) فهذا الفأر القاطن في إحدى الجحور الضيقة في هذه الحجرة لم يخرج ابدا من جحرهه إلا في ظلمة الحجرة حينما يختفي الآخر.. الرسام.

 

الرسام: كيف تجرؤ أن تقف أمامي هكذا لا تخاف مني إذا.. تتحداني يمكني قتلك.. ابتعد عني أنا الآن ثائرا.

 

ينظره الفأر دون تحرك يقف ثابتا لا يأبه بما يقول يظل شامخا ناظرا إليه.

 

الرسام: قلت لك ابتعد عني.. لا تنظر لي هكذا.. كيف تجرؤ أن تقف هكذا.. تعتقد إني رقيق المشاعر.. ارسم بفرشتي أحلامي ومنحنيات خيالي، رومنسياتي وانكساراتي.. لقد سئمت المشاعر والأحلام سئمت الحسناوات وتجاعيد اجسادهن سئمت كل شئ لم أعد احتمل تلك الصفوف الخلفية من حياة البشر.. سئمت الألوان واللوحات، ابتعد عني لا تنظر لي هكذا.. إنك تتحداني.. ساقتلك.. لا تتحداني.. لا احتمل ثابتك يزيح الرسام وجهه بعيدا متأملا ذكرياته فهو لم يعتاد المواجهه فقد حبيبته التي رسمها في خياله قبل لقاءها لانه لم يواجه متطلبات أهلها وهرب كعادته.

 

فقد أهله وترك مسئوليات أم عجوز وأخت صغيرة لأنه لم يستطع المواجهه فقد عمله ووظيفته الدائمة لأنه لم يحتمل القواعد والتعليمات ولَم يواجه بل هو الهروب.. دائما الهروب لا يمكنه أن يفوز بمعاركه.. لم يواجه ولن يواجه أحد يعود بعينيه ليجد الفأر ثابتا أمامه.

 

الرسام: أنت على يقين إني لا يمكني قتلك.. لا أقوى على مواجهتك.. أبتعد قليلا.. سأغمض عيناي.

 

ينام الرسام ليغرق الرسام في حلم مزعج يصارع صاحب البيت ويضربه ويضربه ويضربه ويستيقظ على صوت صرخة كبيرة ليجد الفأر منتحرا أمامه.

 

الليلة الأخيرة

أحمد جودة

الوسوم

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق