مقالات

الدكتور هانئ محمود النقراشي يكتب: المحطات الشمسية الحرارية واقتصادياتها

في المقال السابق عرضنا التطور في وسائل إنتاج الكهرباء والاتجاه العالمي لنبذ الفحم كوقود تقليدي، مما يمثل مخاطرة للمستثمر في محطات فحمية.

 

وتصادف أنه في نفس الشهر قررت مجموعة العشرين في “أوزاكا” بأغلبية 19 دولة الإلتزام بقرارات مؤتمر “باريس 2015” لحماية المناخ، وأهم بنوده إنقاص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وهذا يترجم مباشرةً إلى إيقاف المحطات الفحمية.

 

والبديل الذي تعرضه اليوم قد يكون أقل مخاطرةً للمستثمر عند تقدير مخاطر توريد الفحم والاتجاهات العالمية لنبذه، ولكن هل سعر وحدة الكهرباء المنتجة منافس لأسعار الكهرباء في مصر؟ وهل له مزايا مالية أخرى.

 

من المُسلم به أن الطاقات المتجددة كلها حميدة ولكن من المهم التفرقة بين المتقلب منها مثل الرياح واللوحات الضوئية والأخرى التي تمدنا بالكهرباء نهارًا وليلًا، وبناء على طلب مشتري الكهرباء، مثل طاقة المياه من السدود والطاقة الشمسية الحرارية التي يمكن تخزين جزء من الحرارة المكتسبة منها نهارًا لإنتاج الكهرباء ليلًا أو في أي وقت يشاء المستخدم.

 

والأخيرة غير متاحة إلا في الأماكن التي تستطع فيها الشمس 360 يومًا في السنة، وهي أغلب أراضي البلاد العربية، أي أن البلاد العربية لها ميزة تنافسية في هذا المجال، ومع ذلك نرى أن معظمها لا يهتم بهذه التقنية بدعوى غلاءها وهي في حقيقة الأمر تعطي أرخص سعر لإنتاج الكهرباء إذا وضع لها المخطط المناسب.

 

أهم خصوصيات الطاقة المتجددة، أنها مرتبطة بالموقع الذي توجد به، ويتبع ذلك طبعا التقنيات المستعملة لحصادها، فإذا نظرنا إلى الطاقات المتجددة المتاحة في مصر، وجدنا أن النوعين المنتشرين وهما طاقة الرياح وناتجها الكهربي أقل من 40%، أي أننا سنجد أن متوسط إنتاج حقل طواحين رياح طاقته الأسمية 100 ميجا وات، على مدار السنة أقل من 40 ميجا وات.

 

ويشبه هذا الوضع إنتاج الطاقة الشمسية الضوئية أي الفوتوفلطيه، حيث أن ناتجها الكهربي أقل من 20%، وكلاهما متقلب عشوائيًا إذ أن قياسات سرعة الرياح أظهرت أن منطقة خليج السويس هي أفضل مناطق حصاد طاقة الرياح في مصر ولكن من خصوصياتها أن سرعتها تشتد في الصيف وتقل في الشتاء.

 

وبالنظر إلى الطاقة الشمسية الضوئية، نجد أن إنتاج الكهرباء ينحصر على النهار فقط وله دورته الحتمية فيبدأ إنتاج الكهرباء بعد الشروق، ويزداد الإنتاج إلى أن يصل ذروته عند الظهر – إذا كانت السماء صافية – ثم يأخذ في الإنخفاض قُبيل الغروب في حتمية عدم إنتاج كهرباء في الليل.

 

أي أن هذين المصدرين يُعطيان طاقة كهربية وقت أن تسمح الظروف الجوية بذلك دون الالتفات إلى حاجة المجتمع بهذه الطاقة لحظة إنتاجها.

 

وبما أن من خواص الكهرباء أن استعمالها يجب أن يكون لحظة إنتاجها لأنها لا تخزن إلا بكميات محدودة جدًا والتكلفة عالية، نجد أن الطاقات المتقلبة لا تلبي الطلب على الكهرباء وقت الحاجة إليها، فهي بذلك محدودة المنفعة، ويندرك في ذلك أيضا طاقة الأمواج والمد والجزر.

 

لذلك، فإن الطاقات الطبيعية المتقلبة لا تصلح الإ لتغذيتها في شبكة كهربية مستقرة، يعزز اسقرارها وجود “قدرة توازن” كافية ولها المرونة التي تسمح لها بمعادلة تقلبات هذه الطاقات المتجددة، هذه الخواص متاحة من محطات الكهرباء التي تنتج الكهرباء باستخدام تُربينة غازية أو بخارية، وكذلك من المحطات المائية، مثل محطتين خزان أسوان والسد العالي.

 

هنا، تقتصر فائدة الطاقات المتجددة المتقلبة، في أنها توفر مقدار مكافئا من الوقود الذي يحرق لانتاج ما يعادلها من الكهرباء، فهي بذلك تكون عاملًا موفر للوقود فحسب.

 

أما الطاقات المتجددة التي تصلح لإمداد “حسب الطلب” أي تصلح أن تقوم بدور قدرة التوازن في الشبكة، فهي الناتجة من حرق النفايات الزراعية والطاقة المائية وكلاهما محدود، والطاقة الشمسية الحرارية بتركيز الاشعاع الشمسي والمزودة بتخزين حراري كاف لتشغيلها بكامل طاقتها طوال الليل، فيكون بذلك ناتجها الكهربي على مدار السنة 80%، وهو يعادل الناتج الكهربي لمحطات الكهرباء التقليدية التي تحرق الوقود الحفري.

 

وهنا يجب ذكر أن أشعة الشمس المباشرة وهي التي يتمتع بها معظم العالم العربي أغلب أيام السنة تحمل الينا مكونين اساسين هما الضوء والحرارة، بينما أشعة الشمس التي تأتي من خلف السحب أو الضباب مشتتةً وتحمل قسط من الضوء دون الحرارة.

 

وهذه الأشعة المباشرة هي التي يمكن تركيزها على بؤرة بحيث ترتفع الحرارة في هذه البؤرة للدرجة المماثلة لحرق الوقود، وبذلك يمكن استخدامها بديلًا للوقود نهارًا، ولها ميزة أن الحرارة المنتجة يمكن تخزينها في مزيج خاص من الأملاح المنصهرة يتحمل هذه الحرارة المرتفعة ويخزن في صهريج معزول باستعمال جزء من الحرارة المكتسبة نهارًا لإنتاج الكهرباء ليلا أو في أي وقت حسب الحاجة إليها، وتخزين الحرارة أقل تكلفة بمراحل عن تخزين الكهرباء.

 

بتحليل الطاقات المتجددة المتاحة في العالم العربي وبالنظر إلى التقنية المناسبة لاستخدامها، نجد ان الطاقة الشمسية الحرارية ذات التخزين الحراري هي الوحيدة التي يمكنها أن تحل محل محطات الكهرباء التقليدية، فهي بجانب أن تصنيع مكوناتها  متاح محليا فإن مصادرها متوفرة بسخاء، أي الاشعاع الشمسي المباشر، وهي كذلك متاحة في كل مكان تقريبا دون استيراد أو نقل للوقود إلى موقع المحطة، وهذا يفتح مجال وضع المحطة قرب موقع الطلب، فنوفر ايضا نقل الكهرباء إلى حد كبير، وبما أن المحطات الشمسية الحرارية تستعمل تربينة بخارية مثل المحطات التقليدية، فلا توجد أي عوائق فنية لربطها بالشبكة بعكس الطاقة الشمسية الضوئية التي تتطلب الحذر عند ربطها بالشبكة لتهدئة ذبذبات التيار عالية التردد التي تسبب خلل أجهزة القياس والاتصالات.

 

منذ سنوات قليلة تمكنت بعض الشركات الأوروبية والأمريكية من تطوير هذه التقنية لتسخين سائل يتحمل الحرارة العالية، هذا السائل خليط من نترات الصوديوم ونترات البوتاسيوم – ينصهر عند حوالي 230 درجة مئوية ويتبخر عند 600 درجة مئوية- وكلاهما ملح خامل لا يحترق ولا ينفجر وسعره منخفض لكونه عادم بعض العمليات الكيميائية.

 

فإحدى التقنيات الناحجة وهي تقنية البرج الشمسي وضعت البؤرة في قمة البرج واصطفت مجموعة من المرايا – التي تتحرك لتتبع دورة الشمس- في دوائر حوله، وتركز أشعة الشمس على قمة هذا البرج.

 

وعند اشتداد حرارة الشمس بالقدر الكافي، يضخ مزيج الأملاح المنصهرة إلى قمة البرج حيث يستقبل حرارة أشعة الشمس المركزة إلى أن تصل حرارته إلى حوالي 550 درجة مئوية، فتضخ لتخزينها في صهريج جدرانه مبطنة بمواد عازلة للحرارة فيحتفظ هذا السائل بحرارته.

 

وهذا التخزين هدفه هو تمكين إنتاج الكهرباء ليلا حتى تشرق شمس اليوم التالي، وبذلك يستمر انتاج الكهرباء ليلا ونهارا وتلبية الطلب على الكهرباء حسب الحاجة إليها مثلا أثناء ذروة الطلب.

 

السر في ذلك هو أن الحرارة العالية تستخدم لانتاج بخار ذي ضغط مرتفع يدفع تربينة بخارية للدوران، وهذه بدروها تدير مولدًا للكهرباء، هذه هي نفس طريقة انتاج الكهرباء في المحطات التقليدية حيث يحرق الوقود لانتاج الحرارة وهي إحدى صور الطاقة.

 

إذن فالفارق الوحيد بين هذه المحطة الشمسية وأي محطة تقليدية هو أن الحرارة المستخدمة لتوليد الكهرباء تصل إلى موقع المحطة مجانا من المشس.

 

على ذلك، يحق لنا تسميتها محطة كهرباء لأنها تمدنا بالكهرباء وقت احتياجنا إليها ليل نهار وأوقات الذروة، ولو حدث ما يحجب الشمس موقتا مثل عاصفة رملية شديدة أو سحب كثيفة ليوم أو يومين يتم تفعيل صمام الأمان وهو تسخين مزيج الأملاح المنصهرة بوقود نباتي أو حفرى، حيث أن أيام الحاجة إليها لا تتعدى 10 أيام تعادل 3% من السنة، في مقابل أن محطات الكهرباء الشمسية الحرارية لاتحتاج لوقود إلا في حدود 3% من انتاج المحطات التقليدية، أي أنها توفر تقريبا كل الوقود الذي تستهلكة المحطات التقليدية.

 

في مقابل ذلك، نرى أن تكلفتها الاستثمارية مرتفعة هنا يجب المقارنة بين محطتين بنفس القدرة ونفس الأداء، أي إتاحة خدمة الكهرباء دون انقطاع ويكون الإمداد الكهربي حسب الطلب، هنا نجد أن الوفر في الوقود في فترة 5 إلى 6 سنوات يعادل ثمن المحطة الشمسية الحرارية ذات التخزين لمدة تكفي لعبور الليل إلى أن تشرق شمس اليوم التالي.

 

ولا يخفي أن الجدوى الاقتصادية هي المحور الذي تدور حوله الاستثمارات فلا يستثمر أحد في مشروع تبدو خسارته ظاهرة أو حتى شكوك في خسارته، بل تندفع الاستثمارات إلى المشروعات التي تثبت جدواها الاقتصادية.

 

ولكن لايكفي أن نثبت أن رأس مال محطة واحدة يسترد في غضون 6 سنوات، بل يجب التفكير في خطة شاملة للانتقال تدريجيا إلى مزيج متوازن من الطاقات المتجددة يكون أساسه المحطات الشمسية الحرارية ذات التخزين الحراري الذي يمكنها من عبور الليل، وكذلك معادلة تقلبات المصادر المتجددة الأخرى.

 

وما دامت الطاقات المتجددة لاتنضب إلا بزوال العالم، فأن الاعتماد عليها لا تنطوي عليه اي مخاطر، فهي بمثابة تأمين للسعر ولامداد الطاقة الأولية باستدامة لضمان انتاج الكهرباء.

 

لذلك، يجب أن يوضع إطار للاستثمارات فى هذا المضمار يكون قوامه محطات نمطية ذات قدرة موحدة هي 50 ميجاوات، وربط كل خمس محطات فى شبكة فرعية “خمسية” لتكون مستقلة عن شبكة الدولة وتؤمن الإمداد الكهربي للواحات المنعزلة أو المناطق التي يصعب فيها إنشاء الشبكات التقليدية مثل وادي النيل.

 

وعلى المستثمر أن يلتزم بالخطوط العريضة التي يضعها له المخطط، وهي أن تستخدم المحطة تربينة بخارية درجة حرارة البخار الداخل إليها 520 – 540 درجة مئوية، ودرجة حرارة البخار العادم 75 – 85 درجة مئوية، لتمكين استخدام مكسف هوائي، لأننا نفترض وضع المحطة في الصحراء حيث المساحة الرحبة متاحة، ولكن المياه نادرة.

 

ويلاحظ أن القدرة النمطية الصغيرة تفتح مجال التكرار وبذلك تنخفض تكلفة الإنتاج بمعدل 10%، لكل تضاعف في السوق.

 

من هنا نرى، أن مخطط الاستثمار يجب أن يتجه إلى الزيادة التدريجية في عدد المحطات النمطية مع وضعها في شبكات “خمسية” تعطي المرونة الكافية لتلبية تزايد الطلب في الأماكن النائية دون الحاجة إلى مد الخطوط الطويلة للشبكات.

 

لقد بينت الدراسات أن أول محطة ستتحمل أكبر عبء مالي، لأن كل محطة تليها سينخفض سعرها. لذلك حسبنا تكلفة إنتاج الكهرباء لأول محطة على فرد وجودها في موقع يتمتع بإشعاع شمسي ممتاز مثل أسوان، وأن المستثمر حصل على قرض بفائدة 4% لمدة سداد 20 سنة وعمر المحطة 40 سنة، فوجدنا أن سعر الإنتاج في العشرين سنة الاولى التي تتحمل عبء سداد الدين 72 دولار/ ميجاوات ساعة، بينما سعر الإنتاج في العشرين سنة التالية 11 دولار / ميجاوات ساعة، لأن فترة التشغيل بعد سداد الدين لا تتحمل إلا تكاليف الصيانة والأجور والتأمين.

 

 

 

الدكتور هانئ محمود النقراشي
خبير عالمي في الطاقات المتجددة
وعضو المجلس الاستشاري الرئاسي لعلماء وخبراء مصر

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى