مقالات

الدكتور عبد الكريم محمد حسين يكتب.. مشاهد في حياتي

 

في ثمانينيات القرن الماضي كنت مدرساً بثانوية القويعية، وكان أنور.. صديقي في الرياض، وكنا نحب الكتاب ونقرأ من اليمين إلى أقصى اليسار، وكانت الطور الحضاري يشغل الناس بالمواجهة بين الإسلام والشيوعية، وكنا أغراراً- ربما أنا وحدي- نصدق المسرحيات السياسية على نحو ما نصدق المشاهد السينمائية.

 

وكم مرة بكينا من هذا المشهد المؤذي أو ذاك ظنا منا أن موت الممثل الذي نحبه في هذا الفيلم هو موت على الحقيقة، وتعود إلينا الروح عندما نجده عاد حياً بحضور الفيلم مرة أخرى، أو في بطولة أخرى، وكم مرة رأينا ممثلا مثل فريد شوقي فارساً بثوب عنترة وروحه!!! وكم مرة وجدناه ضعيفا..!! لم نكن ندرك المسرح ولا المخرج، ولا التمويه بالمكياج.

 

وكانت مواقف التمثيل تسعى بها الدول (وزارات الثقافة وإحياء التراث) والأشخاص في باب إحياء التاريخ العربي الإسلامي بكتب العبقريات للعقاد، ورجال حول الرسول للمفكر خالد محمد خالد، وصور من حياة الصحابة، وصور من حياة الصحابيات، د.عبد الرحمن رأفت الباشا.. وهنا مربط الفرس.

 

كنا بضيافة الأستاذ أنور في الرياض مساء الأربعاء، وكان الخميس والجمعة مقاماً طيباً عند رجل كريم مفضال، وكأننا ذكرنا كتاب صور من حياة الصحابة فقال: ما قولك بسهرة عند مؤلف الكتاب الليلة، فكدت أطير فرحاً، قلت: خير البر عاجله.

 

فقال: بعد التراويح نقصده، وكان خبيرًا بالرياض، وكان بيت الرجل في شاع الوزير، وارتقينا إلى بيته، فوجدنا جمعاً من العرب السوريين والسعوديين والأردنيين، ولم يكن ثمة أحد من أهلنا بمصر، على كثرة العلماء منهم في الرياض.

 

وتفتقت الأحاديث بالشيخ في كل مذهب، فلم يستوقفني سوى فكرة اللقاء السنوي بالملك السعودي، وسأله الحاضرون: بم تتحدثون؟ فراغ وزاغ، وسأله أحدهم بمن توصيه من الجاليات العربية؟ فقال: بأهل مصر!!! فصُدِمَ السوريون في ظل تنامي الشعور الإقليمي المدمر، وعلو الأصوات بها.

 

فقال أحدهم: لِمَ توصي بالمصريين دون غيرهم؟!! فأجاب الشيخ: كنا ندرس في الأزهر نأكل، ونشرب، ونسكن، على حساب أهلنا في مصر، وربما أرسل بعضنا شيئاً يسيرا من المال لأهله، وكانت الأنظمة تصر أن يدفع الطالب العربي المصري قسطه الجامعي قبل دخول الامتحان، ويخرج الطلبة من قاعات الامتحان يبكون لقلة ذات اليد.. فبكى من بكى، وفي الأذهان صور لأحوال الفقراء وغصاتهم.

 

كان ذلك المشهد من مشاهد الوفاء لمصر أرضاً وإنساناً، وهي التي صنعت أجيالاً من العلماء في العالم العربي والإسلامي، وهي كنانة الله في أرضه.

 

مشاهد في حياتي

الدكتور- عبد الكريم محمد حسين

أستاذ النقد الأدبي القديم – جامعة دمشق

الوسوم

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock