ثقافة

أحمد شاب مسالم.. قصة للكاتب أحمد جودة

 

لملم أحمد مؤخرته الباقية بداخل التاكسي الصغير ليخرج منه في مشقة كبيرة ثم يعتدل في وقفته ويعطي السائق عشر جنيهات كما طلب الأخر.

 

يتجه إلى مدخل المشتشفى الاأيق ذات البوابات العالية الحديدية، القضبان يوقفه رجل ضئيل الجسد والملامح بنظارة سميكة عالية فوق انفه ويبدوا انه الحارس العام لتلك المستشفى العتيقة، ملابسه الزرقاء تؤكد هذا.

 

الحارس: الزيارة بـ خمسة جنيه ولحد الساعة خمسة يعني فاضل ربع ساعة.

 

أحمد: (بصوت لا يتناسب مع ضخامة الأكتاف وتدلي البطن حتى الركبتين) لا أنا هبات مع بابا أنا جاي عشان ابات مع بابا.

 

الحارس: معك تصريح

 

أحمد: لا مش معايا

 

الحارس: خلاص تدفع اربعين ولما تسمع كلمة السر تستخبي جوه دولاب او تحت سرير

 

أحمد: (يخرج النقود ويعطيها للحارس ثم يذهب بعيدا ثم يأتي مرة أخرى يتصبب عرقا) لو سمحت هي ايه كلمه السر

 

الحارس: يا عسكري يا أبو بندقيه تعالي موت الست ديه

 

أحمد يردد تلك الكلمات وهو يصعد السلالم بين الماره والجالسين في الطرقات وعلى درج السلالم، ينحشر احيانا ويمر بين الماره احيانا حتى وصل الدور الثاني ليبحث عن حجره 64 حيث يرقد والده المريض مع اثنين آخرين، يعترض أحمد في تلك الطرقة الطويلة نساء تفترش الأرض تلتهم وجبات ضخمة.

 

ينظر أحمد بطرف نظره لصنوف الأكل وهي حركة تلقائيه لديه طالما قد شم رائحه الطعامـ ينظر يمينا ويسارا ليرى صنوفا كثيرة من اللحوم والأسماك والمخللات.

 

تنتهي الطرقة بحجرة والده وامامها منصة الممرضات تجلس خلفها امرأة بدينة وكأنها قطعة من أثاث المستشفى، يقترب منها أحمد بهدوء.

 

أحمد: هو دي حجرة 64

 

الممرضة: ترفع رأسها من أسفل المنصة فيظهر أنها تأكل بشراسة أسفل المنصة تتحدث وفمها مملوء بالطعام (هو ايه انت مش بتعرف تقراء ) ينظر لها أحمد بدهشه الهجوم.

 

الممرضة: تعالى كل

 

أحمد: بإبتسامة شكرا مرسيي

 

يدخل أحمد حجرة 64 ليجد عدد لا نهائي من النساء والرجال والأطفال يزرون عم حامد واستاذ عاصم نزلاء الحجرة 64 مع والده.

 

يخترق أحمد هؤلاء الجالسين حول والده من الزائرين لاقرانه ليجد والده القصير النحيف يتكوم أسفل بطانيه صغيرة، وحينما يراه الوالد يقف اعلى السرير فيظهر قصره وضئالة جسده، ثم يلطم أحمد على وجهه.

 

الوالد: اتاخرت ليه يا جدع

 

أحمد: يبكي أنا أسف يابابا، صحيت متأخر والمواصلات صعبة انا أسف يابابا متزعلش مني يابابا

 

يهدا الوالد ويجلس على سريره، يخرج بعض طعام المستشفى من أسفل الوسادة ويعطيها لأحمد الذي يمسح دموعه ويأخذ الجبنه النستو والمربي ويبدأ في إلتهامها.

 

تدق الساعة الخامسة ويأتي صوت ميكرفون المستشفى إنذار الرحيل

 

الصوت: الزيارة انتهت

 

تندفع جموع الحاضرين منحشرين على السلالم ومن فوق أسوار المستشفى يقفزون وكانه مشهد معتاد لخروج الطلبة بعد جرس إنتهاء اليوم الدراسي.

 

ويبقي أحمد وحيدا في تلك الحجرة ذات الثلاث سرائر وكل سرير يحمل مريض يتوجع من ألم مختلفـ، فهذا عم حامد يصرخ بين الحين والأخر ويمسك بطنه ويذهب للحمام، وذلك الاستاذ عاصم يرفع رجله اليسرى في جبيره يختفي بيضاها من امضاء الزائرين، ويغوص والده في السرير الثالث يعاني من خشونه المفاصل.

 

ويستعد أحمد لسهرته فيخرج من جيبه قصه من الأدب الإنجليزي وبعض لفافات الشيكولاتة والبسكويت، ويعتدل أحمد في جلسته في مقابلة سرير والده ولكنه يسمع صوت من بعيد

 

الصوت: ياعسكري ياأبو بندقية تعالي موت الست ديه

 

أحمد: كلمة السر .. ويستمر الصوت ويقترب

 

ينهض أحمد ويذهب يمينا ويسارا يبحث عن مكان الإختباء، يفتح الدولاب ولكنه صغير لا يتناسب مع ضخامته، يقف خلف الباب ولكن الباب لن يفتح.

 

لم يكن لديه إلا أن يختبئ أسفل السرير، وبالفعل دخل بقدميه وارجله ولم يدخل باقي جسده وانحشر أحمد في اسياخ السرير المعقدة

 

اقترب الصوت أكثر فأكثر وفتح الباب وكان هو ممدد أسفل السرير مقابل للباب، وتدخل جميلة الصغيرة وتقفز من فوق صدره وتتجه إلى أبيها الاستاذ عاصم.

 

جميلة: (بابا نسيت أقولك تصبح على خير) وتستمر الصغيرة في الغناء وهي عائدة من فوق صدره مرة أخرى واسنان كعب صندلها يغرس في لحمه.

 

يشد أحمد اجزاءه المحشوره بين اسياخ الحديد وينهض ناقما حاقدا على تلك الصغيرة المستهترة.

 

بتسلل أحمد خارج الحجرة باحثا عن بائع الشاي ليطلب واحدة، وامام الغرفة تجلس الممرضة البدينة تربت على كتف حسناء الممرضة الاخرى، يقترب احمد وبهمس غير مسموع.

 

أحمد: عايز أشرب شاي

 

البدينة: يعني المطلوب نقوم نعمل لسيادتك شاي ولا قهوة ولا نرصلك حجرين ولا نخلي بالنا من العيينين

 

أحمد يرفع يده وكأنه قد أسر في حروب فيتنام وينسحب بهدوء دون كلمة وتستمر البدينة في تهدئة حسناء التي بدات في النحيب بصوت عالي.

 

يترجل أحمد بعيدًا في تلك الطرقة الطويلة الباردة المضيئة بمصابيح خافتة بحذر لا يقابلة أحد سوى ذلك الرجل الجالس على الكرسي المتحرك يذهب ويجئ ويحاصر خطوات أحمد ونظراته، يزيحه أحمد بهدوء من أمامه في كل الاتجاهات.

 

يصل أحمد إلى أخر الطرقة الطويلة المصفوفة بأرقام الغرف ليجد إحدى الغرف المفتوحة، ويظهر منها البوتجاز الصغير وعليه غلاية ضخمة.

 

أحمد: ممكن أشرب شاي

 

يزيح الرجل الراقد الغطاء الغليظ وينهض بإستياء

 

الرجل: هتشربها هنا ولا تك اواي

 

أحمد :لا تيك اواي

 

الرجل: 5 جنيه

 

أحمد: 5 جنيه طيب

 

يعطيه أحمد الفلوس ويأخذ منه كوب بلاستكي بها سائل أصفر يبدوا إنه الشاي، ويعود أحمد في رحلة الطرقة الطويلة ويصطدم برجل الكرسي مرات وهو يحافظ على توازن السائل بين يديه، ليصل اخيرا إلى تلك المرأة البدينة وحسناء الباكية.

 

ويعود أحمد في أحضان حجرة 64 ويسمع شخير النائمين فيهرب من ذلك الصوت الموحش إلى داخل الفرندة المطلة على الحديقة الخلفية للمستشفى، ويبدأ أحمد في رشف السائل العجيب وهو يقرأ على ضوء العامود المنعكس من الحديقة ويدندن مع نفسه احيانا (يا عسكري يا أبو بندقية تعالي موت الست ديه) ويبدوا أنها أصبحت لحن داخلي لديه، يفتح باب الفرنده ويدخل عم حامد.

 

عم حامد: كنا في قلب النار أسود والرملة بتحرق كوعبنا والعدو في المواجهة وأحنا ببنادقنا نضرب (تشتشتشتشتشتشتش) وأخر الليل نترمي في حضن الجبل وبأعلى صوت نغني ونقول (ياعسكري يا أبو بندفيه تعالي موت الست الديه)، ينتبه احمد لكلمة السر ولكنه يجد عم حامد يمسك بطنه.

 

حامد: وعمري ما جالي المغص ده

 

يخرج حامد ويغلق باب الفرنده ويلتفت أحمد لكتابه ويستند على سور الفرنده ثم يدندن (ياعسكري يا أبو بندقيه تعالي موت الست ديه)، ويقطع صوت الأغنية بداخله نداء والده المنحني القصير، ويندفع أحمد لخارج الفرنده تاركا الكوب والكتاب ليجد أبوه يحاول أن ينزل من على السرير فيرفعه ويحمله بين يديه ويتجه به للحمام ثم يعود به ويضعه على الفراش ويربت عليه حتى ينعس، ثم يأتي صوت النفير من خارج الحجرة وكأنها مرشات عسكرية.

 

الصوت: صفا انتباه

 

لا يأبه أحمد بهذا فهو ينتظر كلمة السر، ثم يسمع صوت ضخم وزائير لحيوان بري (يا عسكري يأبو بندقية تعالي موت الست دي)، أحمد لا يعرف أبن يذهب ولكنه يقفز في فراش والده ويكتم نفسه ويضعه بين فخذيه.

 

تقترب الأقدام ويدخل أحد عمال الأمن ببدلته الزرقاء يقترب من الفراش الأول والذي به تتم جريمة الإعتداء على الأب المسكين.

 

الرجل: واحد

 

يرد جمهور من العاملين بالخارج: واحد

 

يقترب من فراش عم حامد: اثنين

 

الجمهور: اثنين.. وهكذا مع الثالث

 

ويخرج العامل وينهض أحمد من الفراش ليترك الوقت لأبيه يتنفس، يقف أبوه على الفراش ويلطمه بالقلم.

 

الأب: أنت بتتهجم على أبوك يا كلب

 

يبكي أحمد ويقبل قدم والده ويرفض الأب الإعتذار ويشيح بوجهه وينام ويطمئن أحمد لنومه من صوت شخيره ويذهب إلى الفرنده يدندن ويدندن، يتأمل حياته ويقرأ المشهد الرومانسي في كتابة وينعس أحمد حالما بالجميلة.

 

وتدخل هي تعكس اضواء الأعمدة جمالها السحري وينير وجها ليله ظلماء من تلك الليالي الباردة في ذلك المستشفى العتيقة، توقظه جميلة، بيديها الرقيقة تداعب خصلات شعره، ينتفض أحمد من نومه فيجدها أمامه ينظرها طويلا تبتسم تنظره غريبا، تفيق اعينه على جميلة تشعل الرواية الأدبية واقعية المكان وحدود الزمن، تجسد جميلات الرويات المقروءة بداخلة خلود الحياة.

 

أحمد: أنا بحبك

 

جميلة: ايه

 

أحمد: بحبك

 

جميلة: أنت مين

 

أحمد: أحمد

 

جميلة: وأنا جميلة

 

أحمد: لما كنت بشوفك وأخدك من أيديك وأطير حوالين العالم كنت بفوق على رواية في حضني لكن كن متأكد أني هفوق مرة عليكي أنتي، وهأخدك ونطير ونرقص ونغني.

 

يأخذها من يديها ويبدأ في التراقص ويغني (يا عسكري يأبو بندقية تعالي موت الست ديه) تغني معه ويعلو الصوت ويعلوا وتضاء المصابيح يظهر كل المختبئين في الحجرات يفرون من رجال الأمن في كل مكان ولايعرف أحمد ماذا يفعل ولا يمكنه الفرار والهروب، ويقرر أحمد أن يقفز من أعلى سور الفرنده، وتبقى جميلة باكية خلف منصة المرأة البدينة تربت على كتفيها وداع الحبيب.

 

أحمد شاب مسالم

للكاتب أحمد جودة

الوسوم

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق