الخيانة تيمة معروفة ومتكررة في الدراما المصرية منذ قديم الأزل، ولكن ما يحدث في مسلسل «طالع نازل»، والانتقام المخيف الذي يعتمد على البُعد السيكولوجي والنفسي، هو الجديد، وهي معادلة مهمة يجب وضعها في الاعتبار للحصول على أعمال مختلفة المذاق.
معنا نورا، التي قامت بتجسيد دورها منى زكي، وهي زوجة تنازلت عن حلم الأمومة لأن زوجها الموسيقار علي لم يكن مستعدًا لأن يكون أبًا، ولأنه، بمعنى أصح، لم يكن يرغب في الإنجاب منها.
وعندما وضع الزمن في طريقه حبيبته السابقة مي، التي رفضته من قبل بسبب فقره وعدم وضوح مستقبله، قرر، عندما وضعها القدر أمامه مرة أخرى، أن يتزوجها سرًا. وعندما علم بحملها، قرر أن يعلن زواجهما.
وهنا كان عليه مواجهة زوجته الأولى، التي كان يتعامل معها على أنها أم وصديقة ومديرة أعماله، أو المرأة المضحية التي تتنازل برغبتها عن حقوقها حتى تفقدها تمامًا.
علي زوج أناني أحب امرأتين وقرر أن يجمع بينهما، فنورا هي الزوجة التي لا يستطيع أن يخفي عنها جميع الأمور التي تخصه، والتي اعترف لها بمنتهى السذاجة والقسوة بزواجه الثاني.
الغريب أن نورا تقبلت خبر زواجه وقررت أن تنتقم منه بمنتهى البرود والتأني والصبر. وبدأت نورا في الظهور بشخصيتين؛ شخصية منهارة لا تظهر إلا حين تكون وحدها، لتعبر عن صراعها الداخلي وضعفها وحقدها الذي لم تتجاوزه. فهي امرأة دمرها من كان يومًا رفيق دربها وسندها وحبيب عمرها.
فالمرأة التي تضحي كثيرًا وتتنازل كثيرًا، وتبني مع من اختارته حياةً مشتركة، ترى تلقائيًا أن لها حقوقًا تفوق حقوق أي امرأة عادية.
فهل أخطأت نورا حين شمرت عن ساعديها لتبني رجلًا سيأتي اليوم الذي يبحث فيه عن أخرى لا تتبرع بالتضحية من أجل زوجها؟
الزوج ببساطة بحث عن أخرى، أراد أن يبهرها ويستمد منها قدرته الذكورية. فنورا أصبحت المرأة التي تحفظ تفاصيله، وتحولت من خانة الزوجة إلى خانة أخرى، لم تعد فيها امرأة مبهورة بزوجها.
الغريب أن رد فعل النساء تجاه المسلسل كان مدويًا ومخيفًا؛ فالثناء على فكرة الانتقام الإجرامية التي مارستها نورا أمر، لو تعلمون، عظيم، وخاصة في مجتمع تتغير طباعه، وينتشر فيه الطلاق والخيانة، واللجوء المستحدث إلى تعدد الزوجات.
اختيار الرجل للتعدد أمر يزعج النساء، فهو تهديد واضح وصريح للاستقرار الأسري الذي كان السمة الغالبة على بيوتنا قديمًا. فلو قررت كل سيدة أن تتخذ من نورا نموذجًا، لتحولنا إلى مجتمع إجرامي مرعب وغير آمن.
فكرة الانتقام لا يلجأ إليها إلا شخص قرر أن يغرق بإرادته في قصة تستنزفه وتقضي على ما تبقى من عمره. وعلى اعتبار أن الزوجة التي تعرضت للخيانة خسرت حياتها السابقة، فهي بالتأكيد، حين تكمل رحلة انتقامها، ستخسر الباقي من أيامها، وهو ما يجب ألا تفعله بنفسها.
وكان الأصلح لها أن تغادر السفينة وتقفز إلى سفينة أخرى تبنيها بنفسها، أو تبدأ حياتها مع شخص جديد يعطيها حق قدرها. ولكن الانتقام سيقضي على الجميع، وستكون نورا في أول صفوف المقضي عليهم.
منى زكي ممثلة عبقرية تثبت مع الأيام أنها كالخمر المعتق؛ كلما مر عليها الزمن زاد جماله وارتفعت قيمته. جسدت منى الصراع النفسي الداخلي الذي تعانيه نورا بمنتهى الجدارة، وهو تجسيد عميق.
أدخلتنا منى في دائرة الحيرة بين التعاطف مع سيدة منهارة خان زوجها عشرتها، وأنكر عليها حقها في جني ثمار تضحياتها، وبين كراهية أفعالها وتحولها إلى شخصية مريضة نفسيًا، ساقها انتقامها نحو التدمير الذاتي لها ولمشروع عمرها.
أما محمد شاهين، فجميع أعماله مؤخرًا تثبت أننا أمام ممثل غير عادي، بداية من اختياراته الموفقة دائمًا، وحتى نزول تتر النهاية لأي عمل يقدمه. أصبحنا على يقين بأن أي مسلسل أو عمل يشارك فيه هو عمل غير عادي بالمرة.
أما مريم الخشت، فقد جسدت دور الزوجة الثانية ببراعة جعلتنا نكرهها.
المسلسل يستحق منا المشاهدة عن قرب، والتمعن في ردود أفعال النساء، ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الرجال والنساء، وتقليل فجوة الصراعات التي تسببت في تدمير أسر عديدة.








