مقالات

هواجس نظام ما بعد قمة هلسنكي

للوهلة الأولى ربما يرجح البعض أن أهم النتائج التي يمكن أن تكون قد حققتها قمة الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين التي جرت  الاثنين الماضي، في العاصمة الفنلندية (هلسنكي) هي نجاحهما معًا في استعادة النظام العالمي ثنائي القطبية الذي ظل يحكم العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وطوال سنوات الحرب الباردة وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي ومعه المنظومة الشيوعية ومنظمة حلف وارسو عام 1991.

 

طوال السنوات الماضية منذ عام 1991 والولايات المتحدة تسعى إلى فرض نفسها كقوة عالمية أحادية في عالم أحادي القطبية، لكنها فشلت في ذلك لأسباب كثيرة، منها أن الولايات المتحدة قد خرجت من الصراع الساخن مع الاتحاد السوفيتي منهكة القوى فضلاً عن تورطها في حروب خارجية استنزفت قدراتها الاقتصادية، كان أبرزها في العراق، ومنها العودة السريعة، وغير المتوقعة لروسيا كقوة قادرة على المنافسة على الزعامة الدولية.

 

فضلاً عن الظهور القوي للصين كقوة عالمية كبرى ونجاح العديد من القوى الكبرى على فرض نفسها كشريك قوي في القرار الدولي خاصة الاتحاد الأوروبي واليابان والهند والنمور الآسيوية الاقتصادية، ما أدى إلى فرض ما أسماه البعض بـ “النظام غير القطبي” في إشارة إلى أنه لم يصل بعد، أو لم يستطع بعد أن يتحول إلى نظام متعدد الأقطاب، في ظل تمتع الولايات المتحدة، رغم كل عثراتها، بوضع القوة الأكبر ضمن أقوياء منافسين.

 

هل يمكن القبول بسهولة بالتوقع الذي يقول أن قمة هلسنكي ربما تكون خطوة مهمة في استعادة النظام ثنائي القطبية تقوده واشنطن وموسكو؟ السؤال دافعه الرئيسي، حدوث القمة ذاتها بالمقدمات التي سبقتها، التي تضمنت اعترافاً أمريكياً، أو على الأقل من الإدارة الأمريكية، وشخص الرئيس دونالد ترامب بـ “روسيا الاتحادية” وشخص الرئيس فلاديمير بوتين كشريك موثوق به.

 

نتائج القمة لم تتكشف بعد، فهي انتهت منذ ساعات قليلة، والذين يرجحون هذا الاستنتاج بعودة النظام العالمي ثنائي القطبية في مقدورهم تقديم الكثير من المبررات التي من أبرزها الحرص الذي أبداه الرئيس ترامب على إعادة دمج روسيا في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، ومفاجأة شركائه في هذه المجموعة بهذا الطلب خلال قمتهم الأخيرة في كنداـ “باعتبار أن هذه العودة ضرورية لحسن إدارة العلاقات الدولية والشئون العالمية”.

 

وفاجأ ترامب شركائه بهذا الطلب، مع إدراكه لمدى التوتر بين بعض الدول الأوروبية وخاصة بريطانيا وبين روسيا، وكان هذا يعني أن ترامب لا يعطي أهمية لرأي هؤلاء الشركاء في هذا الأمر.

 

اندفاع ترامب للتنسيق مع روسيا وصل إلى درجة حديث ترامب عن أن “تخلي روسيا عن شبه جزيرة القرم ليس شرطاً لتحسين العلاقات معها”، ولم يستبعد ترامب الاعتراف بضم القرم إلى روسيا، ونقل عنه قوله “بما أن سكان القرم يتحدثون الروسية فهم روس”.

 

أما المبرر الثاني الذي لا يقل أهمية فيتمثل في حرص ترامب وإدارته على تفكيك الاتحاد الأوروبي وإضعافه وتنحيته كشريك في مقدوره أن ينافس على الزعامة الدولية، والحرص على إعادة فرض علاقات التبعية السابقة التي سادت علاقات واشنطن بدول الاتحاد الأوروبي في سنوات الحرب الباردة، عندما كانت الولايات المتحدة تتولى مهمة الدفاع عن أوروبا أمام التهديد السوفيتي المحتمل.

 

ترامب أضحى أكثر استعداداً للتضحية بالحليف الأوروبي التاريخي لبلاده مقابل كسب روسيا كشريك محتمل. ما حدث من مشادات وخلافات حادة بين ترامب وشركائه في مجموعة الدول الصناعية السبع خلال قمتها الأخيرة في كندا وما أسفرت عنه من تفجر حرب تجارية بين واشنطن والاتحاد الأوروبي وكندا، وجدت أصداءها خلال قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة (11- 12/7/2018) التي عقدت في بروكسل قبيل أيام من قمة هلسنكي حيث جدد ترامب هجومه الضاري على حلف شمال الأطلسي وعلى أبرز الشركاء خاصة ألمانيا وبريطانيا.

 

فقد حذر ترامب أثناء قمة الناتو بأن بلاده “ستتولى شئونها الدفاعية بمفردها إذا لم تعزز الدول الأعضاء في الحلف إنفاقها الدفاعي”، وقال أنه “سيطلب من الحلفاء أن يدفعوا فواتيرهم”. وشن هجوماً عنيفاً على ألمانيا واتهمها بأنها “تخضع لسيطرة روسية” بسبب دخول ألمانيا في صفقة “خط أنابيب الغاز الطبيعي الروسي” (نوردستريم- 2) التي ستزود ألمانيا بالغاز الطبيعي من روسيا، ووصف ترامب هذه الصفقة بأنها “مروعة” لا لشئ إلا لأنها يمكن أن تؤسس لعلاقة تعاون ألماني- روسي خارج عن الإشراف الأمريكي.

 

تدخل ترامب في الشأن الألماني لم ينافسه غير تدخله في الشأن البريطاني، فقد هاجم خطة رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي لتنظيم الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي التي تحرص على إبقاء خطوط من التعاون بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وخاصة النص على إقامة منطقة تبادل حر واتفاق جمركي. ترامب هاجم رئيسة الحكومة البريطانية في حديث مع صحيفة “ذي صن” البريطانية لهذا السبب ووصفها بأنها “رهيبة”، كما اعتبر أن خطتها تلك “ستقضي، على الأرجح، على اتفاقية متوقعة للتبادل الحر مع الولايات المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مارس 2019″، وفي نفس الوقت أثنى على بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني المستقيل لا لشئ إلا لأنه أشد أعداء الاتحاد الأوروبي واعتبر أنه “أفضل رئيس وزراء لبريطانيا في المستقبل”.

 

هناك مبرر ثالث لاحتمال عودة نظام الثنائية القطبية يتمثل في الحرص الأمريكي على توظيف قمة هلسنكي لتحقيق شراكة أمريكية- روسية على حساب الشراكة الصينية- الروسية هدفها إبعاد الصين تماماً عن المنافسة على الزعامة الدولية.
فإذا كان ترامب حريصاً على إبعاد الاتحاد الأوروبي كمنافس على الزعامة الدولية من خلال العمل على تفكيك وحدة الاتحاد الأوروبي ومن خلال العمل على فرض الهيمنة الأمريكية على القرار الاقتصادي والعسكري ومن ثم السياسي الأوروبي، فإنه يريد من خلال التأسيس لشراكة روسية- أمريكية إبعاد الصين عن المنافسة العالمية “تدق أسفين” بين موسكو وبكين لمنع دعم دعوة التعددية القطبية التي تريدها الصين.

 

ترامب يأخذ هنا بنصيحة شيخ الدبلوماسية الأمريكية هنري كيسنجر، فكما نصح كيسنجر الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في أوائل السبعينيات من القرن الماضي بأن يتقارب مع الصين ليوازن علاقته مع الاتحاد السوفيتي السابق فإنه نصح ترامب بأن يتقارب مع روسيا ليواجه التمدد الصيني.

 

هذه المبررات الثلاث لها ما يدحضها على المستويات الثلاث نفسها. فعلى المستوى الأمريكي يوجد انقسام حاد على العلاقة مع روسيا، وهناك تيار قوي خارج الإدارة وموجود بقوة في الكونجرس وخارجه مازال يعتبر روسيا “عدو إستراتيجي”، وكانت هناك دعوات أمريكية تطالب ترامب بإلغاء قمته مع بوتين خاصة عقب توجيه روبرت مولر المحقق الخاص في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة اتهامات إلى 12 عنصراً في الاستخبارات الروسية بقرصنة حواسيب الحزب الديمقراطي.

 

وتزامن مع توجيه هذه الاتهامات قبيل ثلاثة أيام من قمة هلسنكي ما نشرته قناة “ان. بي. سي” الأمريكية لتقارير استخباراتية أمريكية عن اختبار روسيا لكفاءة صواريخ “كينجال” (الخنجر) التي تفوق سرعتها سرعة الصوت عشر مرات، في إشارة إلى إصرار موسكو على التفوق العسكري وتهديد الأمن القومي الأمريكي.

 

الأكثر من ذلك ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز من أن الاتحاد السوفيتي جند ترامب عام 1987 خلال زيارته لموسكو، وزادت بأن أحد أسباب رفض ترامب نشر إقراره الضريبي “ربما يرجع إلى أنه تمكن من الحصول على أموال روسية لعدة سنوات”.

 

أما على المستوى الأوروبي فإن أوروبا، على ما يبدو، لن ترضخ للضغوط الأمريكية، وإذا كان وزير الخارجية الألماني السابق سيجمار حابرييل قد اتهم ترامب بأنه “يريد تغيير النظام في ألمانيا وهو ما لا يمكن تحمله” فإن وزير الخارجية الألماني الحالي هايكو ماس قد رفع شعار “أوروبا الموحدة” لمواجهة شعار ترامب “أمريكا أولاً”، ثم عاد ليؤكد في حديث لمجلة “دير شبيجل” الألمانية قوله “لسنا أسرى لروسيا أو أمريكا، نحن نتخذ قراراتنا الحرة السيادية بشأن ميزانيتنا وإمدادات الطاقة الخاصة بنا وعلاقاتنا التجارية استناداً إلى حقائق”. توجه قد يكون في بدايته إلا أنه يحمل ملامح بلورة وعي أوروبي أكثر استقلالية عن أمريكا وأكثر رغبة في الوجود القوي على الساحة الدولية.

 

أما على الجبهة الروسية – الصينية فإن موسكو وبكين تدركان أنهما تخضعان إلى تصنيف إستراتيجي أمريكي باعتبارهما “المصدر الأول للتهديد”، كما أكدته “إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية” الجديدة. وتعد الحرب التجارية الحالية التي تشنها أمريكا على روسيا والصين أحد أبرز انعكاسات هذه الإستراتيجية.

 

وإذا كان إدراك هذا العداء الأمريكي يفرض على روسيا قدراً كبيراً من مقومات “مقاومة الغواية” الأمريكية فإن ما بين روسيا والصين من أسس متينة للتعاون الإستراتيجي جسدتها الاتفاقيات الثنائية التي جرى توقيعها في قمة بوتين مع الرئيس الصيني “شي جين بينج” في بكين (8/6/2018) توفر حصانة كاملة أمام أي محاولات أمريكية لتفكيك تحالفهما، الأمر الذي ينفي أي فرصة أمام قمة هلنسكي للعودة إلى نظام الثنائية القطبية على حساب طموح التعددية القطبية حتى وإن كان مازال طموحاً، ولكنه طموح مشروع.

 

الدكتور محمد السعيد إدريس

أستاذ العلوم السياسية والخبير الاستراتيجي بالأهرام
المقال: منشور بتصريح كتابي من الكاتب

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى