ثقافة

قراءة انطباعية بقلم الكاتبة لين الأشعل في نص “غصّة” للكاتب الطيب جامعي

 

النص: غُصّة (ققج)

أُنسيتُ حتّى اسمي…

في العراء ناديتُ: “أبتِ…هَيَا

آدم..”؛

خرس الأبُ و أجابَ العمّ “سام”

الكاتب التونسي: الطيب جامعي

 

1- التصدير: (يا بني آدم لا يفتننّكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليوريهما سوآتهما)، صدق الله العظيم.

 

كل شيء في العُري تكشفت عوراته حتى أرضنا التي صارت “عراء” وسلبت من خيراتها فكشفت عن عيوب أهلها، وعيوب من زحفوا اليها.

 

2- المقدّمة النصّ المعروض هو من جنس الققج كتب بكثافة محكمة وقد توسطت أحداثَه المختزلة مفردةُ “العراء”، فما هو العراء المتَحدّث عنه في النص؟ أهو المعنى المادّي للكلمة (إزاحة الحلة المغطية للأرض) أم تراه عري معنوي و ماهي رمزيته في النص؟

 

3- التحليل: العنوان: غُصّة اسم من فعل غصص، يقال لم يستطع الكلام لما اعترض في حلقة من طعام أو شراب، المعنى المجازي لكلمة غصّة: ألم و همّ شديدان.

 

ورد العنوان “غصّة” كلمة واحدة، نكرة وغير فاضح، بيد أنّها صارت “غصّة” مكشوفة لأنظار العالم أجمع في كنف الأحداث العالمية الأخيرة.

 

الشخصيات: هما شخصيتان محوريتان: أنا (الشخص الذي أُنسيتُ حتى اسمي)، أنا المواطن الذي يمثل العالم العربي، (الأب،آدم: جزء من هذا العالم العربي سنتطرق آنفا لرمزيته)، “العم سام” Uncle Sum يمثل العالم الغربي والولايات المتحدة الأمريكية بالتحديد وهذه مفارقة أولى بين ضدّين يسوقها لنا الكاتب لجلب انتباه القارئ.

 

لقد استخدم القاصّ طريقة مرمّزة ذكية في اختزال الوطن العربي في شخصية المتكلم، والولايات المتحدة في شخصية شعبية:”العم سام” وهذا في البلاغة نوع من الكناية، ما يسمى بالـ métonymie (ذكر الجزء من الكلّ المقصود) قصد التخفّي، أو ابراز أهمية الجزء بالنسبة للكل.

 

الفكرة العامّة: لا بدّ لكلّ قصّة من فكرة أُمّ تتولّد عنها الأحداث المحرِّكة لمسار السرد، في هذا النص تجلت الفكرة الرئيسية في تجاهل العرق العربي من قِبل القوى العالمية العظمى وتعرية العرب بتجريدهم من كل مقومات الحياة الكريمة.

 

المعاني والرموز: “أنسيتُ” استعمل الكاتب المبني للمجهول كي لا يكشف من الوهلة الأولى عن هوية من أنساه اسمه أي من سلبه هويته وسرق منه عدّة أشياء.. لعلّ أبرز أدوات التعداد هنا: استعمال كلمة “حتى” مع (…) الثلاث نقاط أو ما يسمى بعلامة الحذف الدالة على عدم افصاح القاص عن أشياء عدة، تاركا المجال للمتلقي أن يستنتج ما حجبه عنه.

 

أنّ هدف الفاعل هو جعل المفعول به ينسى انتماءه، لغته وقوميته وذلك بفرض هيمنته وقوّته العظمى لمحق القوى الضعيفة وهذا مكشوف ومختوم بتوقيع US فالشخصية الشعبية Uncle Sum، الجزار، كان يوقع بـ US لحم البقر الذي يزوّد به القوات الأمريكية (في حرب 1812 بين الولايات المتحدة وبريطانيا) إلى أن حُرّف الطابع من Uncle Sum إلى United States إذا باستعمال الرمز “عم سام” الذي خصّ به الكاتبُ الولايات المتحدة الامريكية لم يعد الفاعل مجهول الأصل وأفعاله صارت مكشوفة للعالم: عنصرية، تجاهل العرق العربي، سحق هوية العرب، ادخال المواطن العربي في عُري تام حتى صحراؤه غدت منهوبة الخيرات، وأراضي العرب محتلة بإعلاء صوت العرق السامي، شباب العرب مسلوب من أبسط مقوّمات الحياة فهو شباب متشرد، منفصم، وسط مجتمع متشرذم… هذا بالنسبة للخط العمودي للنص، فهكذا هي العلاقات الدولية اليوم وبهذه الطريقة صار التفاعل الحضاري بين عرب و غرب.

 

لكنّ الكاتب يتدرّج بنا عبر سرد الأحداث بطريقته المرِنة إلى نظرة أفقية هي علاقة عرب وعرب، ووسيلته في ذلك واحدة من أدوات النداء التي تفيد دعوة السّاهي أو النائم “هَيَا” لكن لا حياة لمن تنادي! المنادَى وهو نائم في سبات عميق “أبتِ.. هيا آدم” يمكن أن يكون كناية للأهل أو للجار القريب، الأب الذي نستند إليه وقت الحاجة أو حاكمنا الذي من المفروض أن يرعى مصالح الرعية ويساند شعبه وشعوب بلدان المنطقة لكنه خذل المنادِي المستغيث كلّما انقضّ ّ الغرب على مجتمع عربي ما، فلم يجد أي مجتمع عربي مستضعف مغتصَبٌ النصرَةَ والمددَ من إخوانه وبني جنسه بل بالعكس ما لقي منهم إلا الخيانة، الأب يكون رمز الشهاهة والاحتماء به عند الحاجة فهو بمنزلة الملك، بيد أنّ الملك هو الذي خذل أبناء العرب.

 

وقد وُفّق الكاتب في استعمال أدات النداء “هيَا” التي تفيد نداء البعيد ليسطر بها ذاك البعد المعنوي -لا الجسدي- بين الحكام العرب وشعوبهم وشعوب جيرانهم.

 

المفارقة نلمس تجليات المفارقة عبر الإيحاءات ولعلّ أبرز ما ألفت انتباهي استعمال فعلين متضادين: خرس/أجاب، هناك عنصران بشريان متخفيان وراء الفعلين: من الأخرس؟ و من النّاطق؟.

 

الناطق فرض أحكامه وقوانينه الاستعمارية وبسط هيمنته وحكم في الأرض ونهب خيرات العرب وأدخلهم في افلاس تام أليس هو الشيطان الذي يتودّد إليك لغاية في نفسه!؟ كما استدرج شبابنا وزين لهم الحياة في مدن الغرب وأوهم شعوبنا بإرساء الديموقراطية..!؟.

 

الأخرس: اسقاط في محله خصّ به الكاتب الأمة العربية التي تجاهلت حقوق مواطنيها في صمت تام كما تمكن منها الذل فأصابها الخنوع و الركوع التام للغرب وصار شبابها مغيّبا عن العيش الكريم مسلوبَ الحلم والمستقبل.

 

ومن غيرُ القوى الغربية تفرض وجودها بقوة السلاح والمال والسهب والنهب والاستعمار المباشر و الغير مباشر!؟ وكل من حاول الكلام أو نادى بأصله أو حتى حلم بحقوقه إلاّ و ألجم فمه.

 

القفلة: وردت كما المطلوب في الققج مدهشة: كسّرت أفق انتظار المتلقّي الذي كان ينتظر أن يردّ الأب النداء، إلاّ أنّ “العم سام” هو الذي قال كلمته وَساد في الأرض.

 

ونلمس معنى آخر في كلمة “عم”: عدوّنا ليس بغريب عنا، تجمعنا قرابة العمومة فكلنا من سلالة آدم.

 

الخاتمة وفي الختام لا بدّ أن أعود إلى كلمة “غُصّة” الواردة عنوانا للنص، فهي اللّقمة التي بقيت.

 

بقلم الكاتبة التونسية
لين الأشعل

الوسوم

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock