مقالات

قانون القومية وجيل عهد التميمي

تصادف تصديق الكنيست “الإسرائيلي” على ما يسمونه بـ “قانون القومية” مع إفراج سلطات الاحتلال عن الفتاة الفلسطينية عهد التميمي بعد قضائها الأشهر الثمانية التي حكمت بها المحكمة “الإسرائيلية” عليها هي ووالدتها عقاباً لها على تجرؤها على ركل وصفع أحد جنود الاحتلال في 15 ديسمبر الماضي، أمام منزل أسرتها في قرية النبي صالح.

 

وعقاباً لوالدتها التي قامت بتصوير الواقعة وبثها على “فيسبوك” ليرى العالم حقيقة الصراع كما هي على حقيقتها مجسدة دون تزييف بين سلطات “احتلال” جبانة تريد أن تستولى على الأرض وجيل جديد من أبناء فلسطين يعي أن ماضيه وحاضره ومستقبله معجون بتراب الثرى الفلسطيني ومستحيل أن ينفصل عنه أو أن يعيش بعيداً عن تنفس نسماته التي يعتبرها سر حياته التي لا يستطيع أن يحيى بدونها.

 

خروج عهد التميمي من محبسها وإعلانها عزمها على مواصلة الجهاد من أجل فلسطين هو أهم “لا” فلسطينية لقانون “القومية” الذي يعكس في مضمونه وجوهره ذلك “الرعب” المسيطر على عقل الكيان من التطور الكمي (السكاني) الفلسطيني الذي يجئ مقترناً بتطور كيفي في الأجيال الفلسطينية المتعاقبة. فهم يعيشون الرعب مما يعتبرونه “قنبلة سكانية” فلسطينية في مقدورها أن تجعل من “اليهود” أقلية على أرض فلسطين.

 

هم الآن 20% من سكان الكيان، وهم في الخارج أكثر من خمسة ملايين لاجئ وهم جمهرة السكان في الضفة الغربية وغزة، والفارق الشاسع بين معدل مواليد الفلسطينيين ونظيره “الإسرائيلي” من شأنه أن يقلب المعادلة السكانية رأساً على عقب في ظل متغير آخر هو نضوب بؤر الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتزايد معدلات الهجرة المعاكسة لليهود من الكيان إلى الخارج.

 

لذلك جاء قانون “القومية” عنصرياً حتى النخاع ليضع نهاية للوجود الفلسطيني داخل الكيان كمرحلة أولى، وبعدها على كل أرض فلسطين في ظل محورية مشروع الاستيطان الذي هو جوهر “المشروع اليهودي في فلسطين” على نحو ما أكد الكاتب “الإسرائيلي” ناحوم برنياع وزميله “ٍسيفر بلوتسكر” في صحيفة يديعوت أحرونوت.

 

فقد كتب برنياع أن قانون “القومية” يحِّول كل “أرض إسرائيل” ويقصد أرض فلسطين التاريخية “من النهر إلى البحر” إلى “الوطن التاريخي للشعب اليهودي حيث قامت دولة إسرائيل”، بكل ما يعنيه ذلك من إعلان “القول الفصل” في إنهاء فكرة تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني”.

 

أما بلوتسكر فقد اعتبر أن هذا القانون “يعرّي ويفضح مدى عدم الثقة بالنفس داخل المجتمع “الإسرائيلي” بقدر ما يكشف عمق تفاقم العنصرية السافرة المستحكمة في هذا المجتمع ضد الشعب الفلسطيني” لذلك نجده يحذر من أن “قانون القومية” يعد “قانون أساس دستوري جديد” سيكون قاعدة لإصدار سلسلة من التشريعات الأشد عنصرية التي سوف تستهدف كل الحقوق المدنية للفلسطينيين داخل الكيان خصوصاً في مجالات التعبير عن الرأي والاحتجاج وفي ملكية الأرض والمسكن والنشاط الحزبي والتمثيل السياسي، ما يعني أن الكيان سيدخل، بهذا القانون، عصراً جديداً من “السفور الاستبدادي” ضد الفلسطينيين وحشرهم بين خيارين إما الخروج من البلاد بحثاً عن لجوء للإيواء، وإما القبول بالعيش كأقلية معدومة الحقوق الوطنية والعيش باعتبارهم “غرباء” مجردون من حقوق المواطنة.

 

لأن القانون يؤكد أن الأرض “هي وطن الشعب اليهودي دون غيره” وأن الدولة “لن تكون ثنائية القومية” على نحو ما أكد آفي ديختر رئيس الشاباك الأسبق الذي قام بالدور الرئيس في صياغة هذا القانون والدفاع عنه أمام الكنيست، وهو ما أكده بنيامين نتنياهو بوضوح شديد من على منصة الكنيست فور التصديق على هذا القانون بقوله: “ثبتنا بالقانون المبدأ الأساسي لوجودنا. إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي.. هذه دولتنا.. دولة اليهود”.

 

هكذا يريدون فلسطين لتكون “دولتهم”، أن تكون “دولة اليهود” لكنهم فجعوا بالاستقبال الحافل الذي استقبلت به عهد التميمي من رموز شعبها وأهلها من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى نواب وسياسيين ودبلوماسيين وشباب وصبايا، وحتى الأطفال الصغار في حالة “تشبه التتويج الرمزي لقيادة ورموز الجيل الجديد الشاب من الحركة الوطنية الفلسطينية الساعية إلى التحرير والاستقلال”.

 

استقبل كل هؤلاء “الفتاة” وليس “الطفلة” كما كانت سابقاً (17 عاماً الآن) عهد التميمي وكأنهم يستقبلون المستقبل، وكأنهم يتذكرون صفعة عهد التميمي لجندي الاحتلال، ويريدون أن يجعلوا من هذا الاستقبال “صفعة لقانون القومية” بتدشين جيل فلسطيني جديد مقاوم مسلح بالوعي والإرادة وجذرية المواجهة التي صعدت إلى ذروتها مع الكيان مع إصدار هذا القانون لتصبح عن يقين صراعاً من أجل الوجود، لوعيهم بأن الكيان دخل مرحلة الإفصاح عن النوايا الحقيقية.

 

فهم تاجروا بالسلام وشعاراته عندما كان السلام “سلعة” يمكن المتاجرة بها، وهادنوا من كانوا يقبلون بالمهادنة في الوقت الذي كانوا يضمرون فيه أن الضفة الغربية ليست أرضاً محتلة بل هي “أرض محررة”، وأن الاستيطان والتهويد للأرض الفلسطينية من النهر إلى البحر “من أعظم القيم”، على نحو ما أكد “قانون القومية”.

 

لم يعد الكيان في حاجة الآن بعد إصدار هذا القانون إلى أن يكذب أو أن يقدم وعوداً كاذبة لـ “نوايا انسحاب” مزعومة، ولكن المهمة باتت ضم وتهويد كل ما يستطيعون ضمه من أرض فلسطينية.

 

جيل عهد التميمي الذي خرج لاستقبالها لم يكن يحتفي فقط بأحد الرموز المميزة في هذا الجيل، ولكنه كان يحتفي بخياره الذي اختاره ليكون خيار مستقبله وهو “خيار المقاومة”، لوعيه بكل هذه الحقائق الجديدة، وبعد أن أسقط “الإسرائيليون” كل الخيارات.

 

الدكتور محمد السعيد إدريس

أستاذ العلوم السياسية والخبير الاستراتيجي بالأهرام
المقال: منشور بتصريح كتابي من الكاتب

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى