تقارير وتحقيقات

في ذكراها الـ67.. ثورة 23 يوليو علامة مضيئة في التاريخ المصري

كتب-أمل السيد

 

غيرت ثورة يوليو وجه التاريخ المصري، وكانت عنوانًا ونقطة التحول الأبرز فى مسيرة الوطن، فلم تكن مجرد تحويل لنظام الحكم من ملكي إلى جمهوري بقدر ما كانت شرارة للتغييرات الاجتماعية، وارتقاء معنويًا بمفهوم التحرر الوطني وتحقيق استقلال البلاد، وجعلت من مصر والأمة العربية مشروعًا وسطيًا بمضمونه الحضاري قبل موقعه الجغرافي.

 

 

ثورة 23 يوليو.. استرد المصريون من خلالها كرامتهم واستعادوا وطنهم المسلوب على مدى عقود طويلة من الزمان، حيث تميزت ثورة 23 يوليو التي عرفت في بدايتها بالحركة المباركة، بأنها ثورة بيضاء لم ترق فيها الدماء، وبأن من قام بها جيل من الضباط والشبان، حيث كان تشكيل الضباط الأحرار ذا طبيعة خاصة لا تنفرد باتجاه معين ولا تنتمي لحزب سياسي واحد، فقد كان التنظيم يمثل مختلف الاتجاهات السياسية، وتميز بالمرونة وعدم الجمود في سياستها الداخلية لصالح الدولة، واتجاهها نحو تنفيذ المشروعات القومية.

 

 

ومازالت ثورة يوليو حتى يومنا هذا تقف بوهجها الناصري شامخة مرفوعة الرأس، فقد رسمت ملامح الحياة على وجه الوطن العربي لتبشر بانتهاء حكم المستعمر، واستطاعت التأثير بقوة في المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية محليًا وإقليميًا ودوليًا، فباتت أم الثورات العربية التي خرجت من رحمها.

 

 

خطة ثورة يوليو

عقد الضباط الأحرار عدة اجتماعات يتدارسون من خلالها الموقف في حذر وحيطة، كان آخرها الاجتماع الذي عقد يوم 22 يوليو عام 1952 للإطلاع على الخطة النهائية للتحرك، والعمل الإيجابي، وقد شارك زكريا محيى الدين في وضع خطة التحرك النهائية مع جمال عبد الناصر، وكانت الخطة تحمل في طياتها عوامل نجاحها لبساطتها وتحقيق السيطرة الكاملة على القوات المسلحة، وبالتالي الاستيلاء على سلطة السيادة في البلاد، وكانت مقسمة إلى مراحل:

 

المرحلة الأولى:

السيطرة على القوات المسلحة بالاستيلاء على مبنى القيادة العسكرية بمنطقة كوبري القبة باقتحامها والاستيلاء عليها بمجموعة من الضباط الأحرار، وتقدم مجموعة أخرى من الضباط الأحرار باعتقال بعض كبار ضباط الجيش والطيران من منازلهم لضمان عدم تحرك قوات عسكرية.

 

المرحلة الثانية:

السيطرة على جهاز الحكومة المدني، وإنزال قوات إلى الشوارع للسيطرة على عدد من المواقع المدنية الحيوية.

 

المرحلة الثالثة:

التحرك لمحاصرة الملك ومنعه من الاتصال بأي وحدات من القوات المسلحة أو القوات البريطانية، كل ذلك تمهيدًا لعزله ولكن في سرية تامة.

 

بعد اجتماع لجنة القيادة بعد ظهر 22 يوليو 1952، تحدد لبدء التحرك ساعة الصفر في منتصف ليلة 22 يوليو، ومع غروب شمس يوم 22 يوليو كان معظم الضباط الأحرار المكلفين بمهام التحرك موجودين بمعسكراتهم تحسبًا لأي مفاجآت، منتظرين تعليمات القيادة بالتحرك.

 

أظهر الشعب تأييده التلقائي للجيش، وخرج بجميع فئاته وطوائفه ليعلن مساندته لهذه المجموعة الوطنية من أبنائه الضباط الأحرار، وكان هذا التأييد بمثابة تكليف لقادة الحركة بالاستمرار، وبذلك استمدت ثورة يوليو شرعيتها من الشعب بعد تأييده لها، وتعبيرها عن واقعه وآماله في تحقيق الاستقلال والكرامة.

 

 

لم تطح الثورة بالأوضاع السياسية وبالاستعمار فحسب، بل إنها غيرت المعادلة الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية في مصر تغييرًا جذريًا، بانحيازها لصالح الأغلبية من المصريين، الذين لا يظهرون في صدارة المشهد ولا في بؤرته، لكنهم يذوبون عشقًا في تراب مصر، إنهم ملايين المصريين الذين وقفوا بجانب الثورة وساندوها، فهي ثورة العصر الذهبي للطبقة العاملة المطحونة التى عانت من الظلم والحرمان من العدالة الاجتماعية.

 

وأصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا في 18 يونيو 1953 بإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية، وبذلك استطاع الشعب المصري أن يسترد حقه الشرعي في اختيار حكامه، وتم تعيين اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية كما تولى الحكومة، وتم تعيين جمال عبد الناصر في منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، وفي 24 فبراير 1954 تولى رئاسة مجلس الوزراء لفترة قصيرة.

 

وفي 17 إبريل 1954 تخلى محمد نجيب عن رئاسة الوزارة، واقتصر على رئاسة الجمهورية ومجلس الثورة، وتم تكليف جمال عبد الناصر بتشكيل الوزارة فألفها برئاسته.

 

 

وفي 14 نوفمبر 1954 قرر مجلس الثورة إعفاء محمد نجيب من جميع المناصب التي كان يشغلها، كما قرر أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغرًا وأن يستمر مجلس الثورة في تولي كافة سلطاته برئاسة جمال عبد الناصر، حتى أُجرى استفتاء على شخصية رئيس الجمهورية بعد حوالي عام ونصف وانتخب جمال عبد الناصر رئيسًا للجمهورية في 23 يونيو 1956.

 

كشفت ثورة يوليو عن توجهها الاجتماعي وحسها الشعبي مبكرًا عندما أصدرت قانون الملكية يوم 9 سبتمبر 1952، فقضت على الاقطاع وأنزلت الملكيات الزراعية من عرشها، وحررت الفلاح بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وأممت التجارة والصناعة التي استأثر بها الأجانب، و ألغت الفوارق بين طبقات الشعب المصري وأصبح الفقراء قضاة وأساتذة جامعة وسفراء ووزراء وأطباء ومحامين وتغيرت البنية الاجتماعية للمجتمع المصري، و قضت على معاملة العمال كسلع تباع وتشترى ويخضع ثمنها للمضاربة في سوق العمل، وقضت على السيطرة الرأسمالية في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي.

 

 

ومن الإنجازات السياسية المحلية لثورة 23 يوليو تأميم قناة السويس، استرداد الكرامة والاستقلال والحرية المفقودة على أيدي المستعمر المعتدي، السيطرة على الحكم في مصر، وإجبار الملك على التنازل عن العرش والرحيل عن مصر، وإلغاء النظام الملكي وقيام الجمهورية، و توقيع اتفاقية جلاء الإنجليز بعد أكثر من سبعين عامًا من الاحتلال، وبناء حركة قومية عربية للعمل على تحرير فلسطين.

 

 

وتضمنت الإنجازات الثقافية لثورة يوليو، إنشاء الهيئة العامة لقصور الثقافة وإنشاء المراكز الثقافية لتحقيق توزيع ديموقراطي عادل للثقافة، وتعويض مناطق طال حرمانها من ثمرات الإبداع الذي احتكرته مدينة القاهرة، و إنشاء أكاديمية تضم المعاهد العليا للمسرح والسينما والنقد والباليه والأوبرا والموسيقى والفنون الشعبية، ورعاية الآثار والمتاحف ودعم المؤسسات الثقافية التي أنشأها النظام السابق، وسمحت الثورة بإنتاج أفلام من قصص الأدب المصري الأصيل بعد أن كانت تعتمد على الاقتباس من القصص والأفلام الأجنبية.

 

 

وشملت الانجازات التعليمية لثورة يوليو، مجانية التعليم العام والتعليم الجامعي، وضاعفت من ميزانية التعليم العالي، وأضافت عشر جامعات أنشئت في جميع أنحاء البلاد بدلًا من ثلاث جامعات فقط، وأنشأت مراكز البحث العلمي وطورت المستشفيات التعليمية.

 

 

ومن الإنجازات العربية لثورة يوليو، توحيد الجهود العربية وحشد الطاقات العربية لصالح حركات التحرر العربية، حيث أكدت للأمة العربية من الخليج إلى المحيط أن قوة العرب في وحدتهم، يجمعهم تاريخ واحد ولغة مشتركة ووجدان واحد، وكانت تجربة الوحدة العربية بين مصر وسوريا في فبراير 1958 نموذجًا للكيان المنشود.

 

 

كما لعبت قيادة الثورة دورًا رائدًا مع يوغسلافيا بقيادة الزعيم تيتو، ومع الهند بقيادة نهرو في تشكيل حركة عدم الانحياز مما حقق لها وزنا ودورًا ملموسًا ومؤثرًا على المستوى العالمي، ووقعت صفقة الأسلحة الشرقية في عام 1955 والتي اعتبرت نقطة تحول كسرت احتكار السلاح العالمي، ودعت إلى عقد أول مؤتمر لتضامن الشعوب الإفريقية والأسيوية في القاهرة عام 1958.

 

لا تزال ثورة يوليو تشكل علامة بارزة في تاريخ الوطن ونقطة تحول أساسية في مساره الوطني، بما قدمته من إنجازات مهمة وما أجرته من تحولات جذرية في جميع جوانب الحياة.

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى