مقالات

فجيعة روسيا مع شركائها فى سوريا

ربما يعتقد البعض، أن شركاء روسيا في سوريا هم فقط النظام السوري وإيران وربما تركيا، إسرائيل هي الأخرى شريك لروسيا في سوريا، ولكنها شريك من نوع مختلف، هناك خريطة مصالح روسية- إسرائيلية مشتركة في سوريا قوامها القبول الإسرائيلي بتمكين روسيا من فرض مشروعها الذي تريده في سوريا، مقابل الحيلولة الروسية دون تعريض أمن إسرائيل للخطر من جراء تطورات وتداعيات الأزمة السورية.

 

وفي مقدمة هذه التداعيات تضخم النفوذ السياسي والوجود العسكري لإيران وحلفائها في سوريا وهو الأمر الذي ترفضه إسرائيل رفضًا مطلقًا، وبسببه جرى الحديث عن صفقة إسرائيلية مع روسيا برعاية ودعم أمريكيين تكشفت في قمة بوتين- ترامب في هلسنكي (يوليو الماضي) تتضمن مقايضة قبول إسرائيل بالتمكين الروسي في سوريا ولبقاء الرئيس بشار الأسد ضمن معادلة سوريا المستقبلية بإخراج إيران من سوريا.

 

وأيا كانت درجة صدقية هذه الصفقة فإن الإقرار الروسي بوجود قناة إتصال مع إسرائيل لمنع التصادم العسكري بين البلدين في الأجواء السورية، يعد تأكيدًا لجديتها، وعلى ضوئه اعتادت روسيا أن تغض النظر عن الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية بالطائرات أو بالصواريخ داخل الأراضي السورية، وبالتحديد ضد القوات الإيرانية وحلفائها، وبدت في بعض الأحداث تعتبر نفسها غير مضطرة إلى التوضيح، لا تلميحًا ولا تصريحًا، إزاء بعض الاعتداءات الإسرائيلية التي تستلزم مواقف روسية محددة خاصةً تلك الاعتداءات على مواقع وأهداف عسكرية سورية وليس فقط إيرانية.

 

تأكيدًا لذلك جاء التصريح الصادم للسفير الروسي في إسرائيل الذي أعلن فيه أن بلاده «تعطى أولوية خاصة لأمن إسرائيل»، كما أشار إلى أن «موسكو لن تتدخل لمنع إسرائيل من شن مزيد من الغارات ضد أهداف إيرانية في العمق السوري»، ومحددًا لموقف رسمي واضح أن بلاده «لا تستطيع أن تملي على إسرائيل كيفية التصرف، وليس من شأن روسيا أن تمنح إسرائيل حرية القيام بأي شىء، أو منعها من القيام بأي شىء».

 

ومن هنا جاء توضيح الجنرال الروسي المتقاعد ميخائيل ايفانشوف مدير الأكاديمية الروسية للقضايا الجيو- سياسية بأن «موسكو عند تنفيذ تعاونها العسكري مع حلفائها في سوريا وإيران تأخذ بعين الاعتبار مصالح إسرائيل وأمنها، لأنها تبقى عينها عليها، نظرًا لوجود مليون يهودي من أصل روسي».

 

وإذا كانت روسيا سبق أن صدمت في الشريك التركي قبل أن يصبح شريكًا معترفًا به من جانب روسيا في الجهود المشتركة لحل الأزمة السورية عندما أسقطت تركيا طائرة روسية من طراز «سوخوي- 24» على الحدود الشمالية السورية مع تركيا فإنها فجعت مؤخرًا في علاقتها مع إسرائيل عندما اكتشفت، وباعتراف وزارة الدفاع الروسية رسميًا، بأن إسرائيل هي الطرف المسئول عن كارثة سقوط طائرة الاستطلاع الروسية «إيل- 20» قبالة مدينة اللاذقية على السواحل السورية التي راح ضحيتها 15 عسكريًا روسيًا.

 

في البداية حصل ارتباك في الموقف الروسي، ففي الوقت الذي أعلن فيه الجيش الروسي أن «الطائرة أسقطت بطريق الخطأ من قبل قوات الدفاع الجوي السورية لأن مقاتلات (إف 16) الإسرائيلية التي كانت تقوم بقصف أهداف في محافظة اللاذقية كانت تختبئ وراء الطائرة الروسية».

 

وحمَّل الجيش الروسي في بيانه إسرائيل مسئولية سقوط هذه الطائرة في أثناء تحليقها ليل الأثنين صباح الثلاثاء (17-18/9/2018) بسبب استفزازاتها المعادية وعدم إبلاغها الجانب الروسي مسبقًا بعمليتها التي نفذتها على اللاذقية، ومعتبرًا أن «إسرائيل لم تتقيد بالاتفاق الثنائي الروسي- الإسرائيلي حول تفادي الحوادث الخطيرة في سوريا».

 

جاء موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هادئًا وحريصًا على عدم التصعيد ضد إسرائيل فقد وصف الحادث بأنه «يبدو على الأرجح عبارة عن سلسلة من الظروف المأساوية، لأن طائرة إسرائيلية لم تسقط طائرتنا».

 

بوتين كان في مأزق أمام الرأي العام الروسي، بين الحليف السوري الذي أسقط، عن طريق الخطأ، الطائرة الروسية، وبين الشريك الإسرائيلي الذى قد يكون مسئولاً مسئولية غير مباشرة عن سقوط هذه الطائرة لعدم التزامه بالقواعد الصارمة للتنسيق المشترك بين البلدين.

 

كان بوتين يحاول تمرير الأزمة أمام شعبه لحسابات كثيرة خاصةً مع إسرائيل في ظروف التوتر الشديد بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا في ظل المخططات الأمريكية الجديدة لإفشال نجاحات روسيا في سوريا، لكن بعد صدور تقرير التحقيق الرسمي لوزارة الدفاع الروسية في الحادث يوم الأحد الماضي (23/9/2018) وبعد الاطلاع على المعلومات الإسرائيلية، وهو التقرير الذي أكد مسئولية إسرائيل عن الحادث سيكون موقف بوتين شديد الحرج ليس فقط أمام الرأى العام الروسي ولكن أيضًا مع الشركاء الآخرين في سوريا خاصة إيران والنظام السوري.

 

أصبح الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة للرئيس الروسي، وهذه المرة أمام الجيش الروسي وكرامته. فقد حمَّلت وزارة الدفاع الروسية في بيانها إسرائيل مسئولية إسقاط طائرتها «إيل 20»، واتهمت سلاح الجو الإسرائيلي بتقديم معلومات مضللة للقوات الروسية قبل الغارة التي شنتها على أهداف سورية قرب اللاذقية. فقد أوضح البيان أن إسرائيل اتصلت بروسيا قبل دقيقة واحدة من شن غارتها على منشآت صناعية قرب اللاذقية- غرب سوريا، في حين أن المعلومات الإسرائيلية تحدثت عن هجوم على مواقع شمال سوريا، ما يعني أمرين: أولهما أن الطرف الإسرائيلي قام بإخبار القوات الروسية ليس بشكل مسبق بل تزامنًا مع بدء الغارات، وثانيهما أن الغارات لم تحدث شمال سوريا كما قالت المعلومات بل غربها عند اللاذقية، وأيضًا عكس تلك المعلومات وهو ما حال دون تمكين قائد الطائرة الروسية من الانسحاب خارج منطقة العمليات حيث كان يوجد واعتبر البيان الروسي أن ما حدث يدل على أن تصرفات المقاتلات الإسرائيلية، تدل إما على عدم مهنيتهم، أو على الأقل على الاستهتار الإجرامي»، واستنتج البيان أن «روسيا تعتبر أن الذنب والمسئولية في إسقاط الطائرة الروسية يقع تحديدًا وبشكل كامل على القوات الجوية الإسرائيلية وعلى هؤلاء الذين اتخذوا قرار تنفيذ مثل هذه العملية».

 

كيف سيتعامل بوتين مع هذه الإدانة الصريحة لإسرائيل من جانب الجيش الروسي. كان موقف بوتين شديد الحسم مع تركيا عندما أسقطت طائرة «السوخوي- 24» فكيف سيتصرف مع إسرائيل بعد تحميلها رسميًا مسئولية تحطم الطائرة «إيل 20» الروسية، أم أن لبوتين حسابات أخرى مع إسرائيل، وكيف سيواصل تحالفه مع طهران ودمشق في ظل التزاماته بتلك الحسابات؟

 

الدكتور محمد السعيد إدريس

أستاذ العلوم السياسية والخبير الاستراتيجي بالأهرام
المقال: منشور بتصريح كتابي من الكاتب

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى