مقالات

عندما لم تسقط السماء على الأرض

لم تسقط السماء على الأرض، هذا ما يردده كبار المسؤولين الأمريكيين وفي مقدمتهم السفيرة نيكي هايلي رئيسة الوفد الأمريكي بالأمم المتحدة، في تبرير قرار الرئيس دونالد ترامب، التعجيل بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ليتزامن هذا الحدث مع ذكرى النكبة.

 

كانت القدس هي آخر الخطوط الحمراء العربية التي أخذت تتساقط الواحدة تلو الأخرى وتتساقط معها الكثير من الثوابت التي كانت تحكم الصراع مع الكيان الصهيوني الذي لم يعد صراعًا بل بات محض “وجهة نظر”.

 

قبل أنَّ يعلن الرئيس الأمريكي قراره الإعتراف بالقدس عاصمة للكيان ويقرر نقل سفارة بلاده إليها، كان مثل هذا القرار مثل المستحيلات العربية والإسلامية، وهذا ما أدى إلى تكريس أسطورة “إلا القدس!!”، ما جعل العالم يتهيب حدوث مثل هذا الإجراء ويتصور أنه لو حدث سوف تسقط السماء على الأرض.

 

وجاء ترامب ليسقط المحرمات ويدوسها ويتحدى من يقف في وجهه فلم يجد، لكنه وجد قبولاً ضمنيًا أراد أصاحبه تجميله وتمرير تجرع السم رشفة تلو الأخرى، بأن هذا القرار لن ينفذ قبل نهاية عام 2018، وربما يؤجل لإنتهاء مفاوضات مشروع ترامب للتسوية “صفقة القرن”، التي ربما تفضي إلى تقسيم القدس بين “الإسرائيليين” والفلسطينيين، عبر ضم أحياء من القدس القديمة إلى مدينة “أبو ديس” المجاورة وجعلها عاصمة للدولة الفلسطينية التي ستنشأ وفقاً لـ “صفقة القرن”.

 

راقب الأمريكيون ردود الفعل العربية والإسلامية، وعندما تأكدوا أنَّ “السماء لم تقع على الأرض”، بعد قرار ترامب الإعتراف بالقدس عاصمة “لإسرائيل”، ونقل سفارة بلاده إليها قرروا حرمان العرب من متعهم، في وهم تجرع السم رشفة رشفة، وإجبارهم على تجرعه دفعة واحدة، بإعلان القرار الجديد، أنَّ يتم التعجيل بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وأنَّ يتزامن ذلك مع احتفالات الكيان بذكرى تأسيسه السبعين يوم 14 مايو/ أيار المقبل، بغية وضع المزيد من الملح على جروح العرب النازفة.

 

صفعة أمريكية أخرى للعرب، يتكرر المشهد… وأيضاً، “لم تسقط السماء على الأرض”. فقط اهتم العرب وانشغلوا بتوصيف القرار وتحليله، وبعضهم اعتبره عقابًا أمريكيا على تجاوزات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، للإرادة الأمريكية ورفضه القبول بـ “صفقة القرن”، وذهابه ليطلب من مجلس الأمن عقد مؤتمر دولي يتولى مسؤولية البحث عن مسار بديل للسلام في الشرق الأوسط بدلاً من “الوسيط الأمريكي”، ومطالبة الأمم المتحدة بالقبول بعضوية دولة فلسطين عضوية كاملة في المنظمة الدولية.

 

الملفت بهذا الخصوص أنَّ هذا القرار الجديد للإدارة الأمريكية بنقل السفارة إلى القدس مع احتفالات الكيان بذكرى تأسيسه جاء متزامنًا مع استعدادات اللجنة العربية المعنية بالقدس والتي تضم وزراء خارجية مصر والسعودية والإمارات وفلسطين والأردن والمغرب إضافة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي للبحث في إمكانية إحياء عملية السلام.

 

ما يعني أن واشنطن تريد التأكيد على أنه لا بديل عن الدور الأمريكي، ولا بديل عن الحل الأمريكي، وأن قرار التبكير بنقل السفارة وفي الموعد الذي تقرر ليتزامن مع ذكرى تأسيس الكيان هو في جوهره قرار عقابي للسلطة الفلسطينية، ورداً على ما ورد على ألسنة رموزها بأن الإدارة الأمريكية “أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على المنطقة وشعوبها واستقرارهما وسلامتهما”.

 

على الجانب الآخر كان الكيان وقادته يرتشفون كؤوس النشوة بقرار الرئيس الأمريكي، وعلى رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي خاطب الرئيس ترامب امتناناً وتقديراً بقوله: “أنت صديق عظيم لدولة إسرائيل.. ونحن نشكرك على قرارك”، واعتبر أن هذا القرار “لحظة تاريخية لمواطني إسرائيل ولدولة إسرائيل وله أبعاد بالغة المغزى وتاريخية وللمدى البعيد”. لم يكتف نتنياهو بذلك، ولكنه، وحسب القناة الثانية للتليفزيون “الإسرائيلي” وجه الدعوة للرئيس ترامب لحضور حفل تدشين السفارة الأمريكية في القدس، في احتفالات “إسرائيل” بالذكرى السبعين لإقامتها.

 

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ولكن “الإسرائيليين” كانوا حريصين على توصيل رسائل أخرى موازية للعرب لها علاقة وثيقة بتلك “الأبعاد بالغة المغزى والتاريخية” لقرار التعجيل بنقل السفارة الأمريكية للقدس، عبروا عن ذلك على لسان “شلومو شامير” السفير “الإسرائيلي” السابق في مقال نشرته صحيفة “معاريف” كرّسه للسخرية من المسعى الفلسطيني للجوء إلى مجلس الأمن كبديل عن الوسيط الأمريكي بالقول أن مجلس الأمن “هو المكان الأخير في العالم الذي يمكنه، والقادر على الدفع للأمام لتطلعات الشعب الفلسطيني”.

 

واعتبر شامير أن “الخطأ الإستراتيجي لأبي مازن هو الجهد المعلن والاستعراض الذي يقوم به لاعتبار مجلس الأمن كجهة مركزية، مؤثرة وقائدة في المحاولة لإيجاد حل سياسي للنزاع” مضيفاً أن الولايات المتحدة “هي وحدها القادرة على التعاطي مع النظام”، وموجهاً النصح للرئيس الفلسطيني بأنه “بدلاً من إضاعة الوقت والجهد في عمره المتقدم، ولبس ثوب الضحية في استعراض للمسكنة في خطابه أمام مجلس الأمن، عليه أن يسترضي الرئيس الأمريكي ويحظى بلقاء معه”.

 

أما الرسالة الأخرى فهي المعنى الذي أرادوه بقتل الشهيد “ياسين السراديح بعد ساعات من اعتقاله من منزله في مدينة أريحا قتلاً بشعاً يحمل المغزى الذي فهمه نتنياهو من قرار ترامب.

 

فقد كشفت نتائج التشريح أن الشهيد تعرض للضرب المبرح الذي أدى إلى إصابته بكسور في الرقبة والرأس والصدر والأكتاف، وبعدها تعرض لإطلاق النار عليه من “المسافة صفر” في “منطقة أسفل البطن. إعدام ميداني وعن سبق إصرار ودون محاكمة”.. إعدام ليس لشخص الشهيد ياسين السراديح وحده، ولكنه إعدام عن عمد وسبق إصرار لكل مسعى لحل الصراع خارج نطاق المشروع “الإسرائيلي”، المدعوم أمريكياً، وتحدٍ صارخ لوهم العرب المتكرر بأن السماء يمكن أن تقع على الأرض.

 

الدكتور محمد السعيد إدريس

أستاذ العلوم السياسية والخبير الاستراتيجي بالأهرام
المقال: منشور بتصريح كتابي من الكاتب

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى