مقالات

حدود التباعد والتقارب بين واشنطن وأنقرة

لم تحسم زيارة ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأمريكي، لأنقرة، الجمعة الماضية (16/2/2018)، الخلافات المتصاعدة بين تركيا والولايات المتحدة والتي وصلت بالعلاقات بين البلدين إلى “نقطة حاسمة” حسب وصف تيلرسون.

 

فهذه الزيارة لم تغير كثيرًا في تلك الخلافات، وبالتحديد لم تغير كثيرًا في التقييم التركي للإدراك الأمريكي للصراع الدائر في شمال سوريا بين تركيا وبين “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي السوري وأجنحته العسكرية “قوات سوريا الديمقراطية ” و”وحدات حماية الشعب”، التي تعتبرها تركيا إرهابية وجزء لا يتجزأ من حزب العمال الكردستاني التركي المعارض.

 

وبالذات عقب تصريحات أدلى بها جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي قبل أيام قليلة من وصول تيلرسون إلى أنقرة تحدث فيها عن الفصل بين “حزب الاتحاد الديمقراطي” وبين “حزب العمال الكردستاني التركي”. هذه التصريحات كانت مثار سخرية نظيره التركي نور الدين جانيكلي في رده الذي قال فيه أن “حزب الاتحاد الديمقراطي لا يستطيع أن يحارب حزب العمال الكردستاني، كما اقترح ماتيس، لأن الذيل لا يستطيع أن يحارب الرأس، والفروع لا يمكن أن تحارب مركز القيادة الذي يصدر الأوامر إليها”.

 

تصريح ماتيس اعتبرته تركيا محاولة أمريكية لتبرير انحياز واشنطن وتحالفها مع “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي وأجنحته العسكرية دون اعتبار للأمن القومي التركي ولمصالح تركيا كحليف إستراتيجي للولايات المتحدة، خصوصاً مع تركيز واشنطن على تدريب وتسليح تلك الأجنحة العسكرية الكردية، وإعلانها مؤخراً تشكيل جيش من قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب التي تعتبرها أنقرة إرهابية “لحماية الحدود السورية مع العراق وتركيا”، وهو الأمر الذي اعتبرته أنقرة تأسيساً أمريكياً لكيان كردي سوري على الحدود الجنوبية التركية.

 

استقبلت أنقرة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بهذا الإدراك وبكل تراكمات الخلافات التركية مع السياسة الأمريكية في سوريا، لذلك كانت أنقرة واضحة وصريحة في طلب انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” و”وحدات حماية الشعب” الكردية من مدينة منبج الواقعة في غرب نهر الفرات، وأن تغادر إلى شرق الفرات حيث تتواجد هذه الميليشيات بكثافة مدعومة بالحليف الأمريكي في القطاع الشرقي لنهر الفرات.

 

وفي ذات الوقت تصر تركيا على دخول قواتها المشاركة في “عملية غصن الزيتون” التي تقاتل في عفرين لتفريغها من أي وجود لوحدات حماية الشعب إلى مدينة منبج مدعومة بفصائل “الجيش السوري الحر” الحليفة بعد إكمال السيطرة على عفرين، الأمر الذي تعارضه الإدارة الأمريكية وتطالب أنقرة بأن تكون عمليتها التي تحمل اسم “غصن الزيتون” في عفرين “محدودة في الزمان والمكان”، الأمر الذي ترفضه تركيا ما جعل خطر احتمال وقوع صدام عسكري تركي- أمريكي في منبج قائماً، من هنا جاء السؤال: إذا كان الطرفان الأمريكي والتركي حريصاً على عدم الصدام كحليفين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) فمن هو الطرف الذي عليه أن يغير موقفه ويقبل برؤية الطرف الآخر؟

 

جاء تيلرسون وهو يدرك أنه مطالب بأن يجاوب على هذا السؤال، لكنه جاء وهو مدرك أيضاً للعديد من الاعتبارات، أول هذه الاعتبارات المصالح الإستراتيجية والاقتصادية خاصة النفطية، للولايات المتحدة في سوريا على ضوء إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي وضعت كل من روسيا وإيران على رأس قائمة الأعداء ومصادر التهديد للأمن وللمصالح القومية الأمريكية إضافة إلى الصين وكوريا الشمالية، وسوريا هي أهم ساحات المواجهة الأمريكية مع كل من روسيا وإيران.

 

لذلك تسعى واشنطن إلى تثبيت وجودها العسكري ونفوذها السياسي في القطاع الشرقي لنهر الفرات وإقامة ما يشبه دويلة أو كياناً انفصالياً في منطقة الجزيرة السورية مصدر الثروة النفطية وثلة الغذاء لسوريا، عبر إعلانها العمل على تشكيل جيش مؤلف من 30 ألف مقاتل قوامه الأساسي “وحدات حماية الشعب” الكردية، مهمته الانتشار على طول الحدود السورية مع تركيا والعراق على الضفة الشرقية لنهر الفرات، إلى جانب دعمها وتأمينها قاعدة “التنف” في الجنوب الشرقي من سوريا التي تضاف إلى ثمانية قواعد عسكرية ومطارات منتشرة في المحافظات الثلاث لتلك المنطقة: الحسكة والرقة ودير الزور، وفي خطوة منها لتثبيت هذا الوجود في مواجهة روسيا والجيش السوري وإيران شنت هجوماً جوياً وقصفاً صاروخياً يوم 7 فبراير الجاري على قوات موالية للجيش السوري حاولت العبور إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات في محافظة دير الزور.

 

التفسير الأمريكي قال أن “قوات موالية للنظام السوري شنت هجوماً لا مبرر له، ضد مركز لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرقي نهر الفرات في محافظة دير الزور” وأشار ناطق عسكري أمريكي إلى أن “عناصر من القوات الأمريكية كانت في مهمة استشارة ودعم ومرافقة مع قوات سوريا الديمقراطية حين وقع الهجوم”.

 

ووصف الهجوم بأنه “دفاع عن النفس”، كما برر الهجوم بأن “القوات الموالية للنظام السوري كانت تريد استعادة النفط والغاز من الأكراد”، ما يعني أن الأمريكيين ليسوا مع هذا المسعى، وأنهم مع إبقاء حقول النفط والغاز السورية تحت سيطرة الأكراد حلفاءهم، ولعل هذا ما دفع سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي في مؤتمر صحفي مع نظيره البلجيكي (12/2/2018) للقول أن “روسيا تشكك بنية أمريكا البقاء في سوريا لفترة طويلة، إن لم يكن إلى الأبد”.

 

ثاني هذه الاعتبارات التحسب الأمريكي للتقارب الروسي مع تركيا حيث تعرف واشنطن مدى الحرص على الإحلال محل الولايات المتحدة كحليف لتركيا، وتعرف أن التحالف الروسي- التركي يمكن أن يقود إلى تحالف تركي- إيراني، وتتابع تطورات لقاءات الثلاثي: روسيا وإيران وتركيا بخصوص سوريا، وتعرف أن روسيا دعمت الدخول التركي إلى عفرين، وأن هذه الدعم استهدف إبعاد تركيا عن واشنطن، كما استهدف النيل من الأكراد حلفاء الولايات المتحدة، لذلك عملت واشنطن على وقف هذه التطورات بإنقاذ العلاقة مع تركيا وحل الأزمة المثارة حول منبج.

 

أما ثالث هذه الاعتبارات فهو إدراك واشنطن أن تركيا تريد من عملية “غصن الزيتون” استكمال ما بدأته في عملية “درع الفرات” التي بدأتها عام 2016 وتوقفت عند أبواب منبج، وأن تركيا تريد حصتها من سوريا، هذه الاعتبارات دفعت الإدارة الأمريكية عبر زيارة وزير خارجيتها تيلرسون الوصول إلى “حل وسط” مع تركيا بخصوص منبج.

 

قد يكون تيلرسون حقق بعض النجاحات في لقائه مع الرئيس التركي وعبر عن ذلك بقوله أن “الولايات المتحدة وتركيا لن تتحركا بعد الآن كل بمفردها”، لكن تركيا اقترحت على الولايات المتحدة انسحاب الوحدات الكردية من شرق نهر الفرات وأن تتمركز قوات تركية وأمريكية في مدينة منبج، وهو الاقتراح الذي لم يستطع تيلرسون الرد عليه، رغم إعلانه عن توصل البلدين إلى “آلية مشتركة”، داعياً مجدداً إلى “ضبط النفس”، وهو ما يؤكد فشله في إيجاد حلول للخلافات المعقدة التي هي أحد مظاهر الأزمة السورية الآن.

 

الدكتور محمد السعيد إدريس

أستاذ العلوم السياسية والخبير الاستراتيجي بالأهرام
المقال: منشور بتصريح كتابي من الكاتب

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى