مقالات

تداعيات ما بعد العدوان على سوريا

كل التوقعات كانت تشير إلى أن إصرار الرئيس الأمريكي وحلفاءه الفرنسيين والبريطانيين وتعجلهم في شن عدوان عسكري على سوريا بحجة تورط الجيش السوري في الإعتداء بأسلحة كيماوية على مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق، يخفي وراءه قرارًا أهم يتعلق بمستقبل المسارات العسكرية والسياسية للأزمة السورية.

 

وأن واشنطن التي كانت قد أبدت رغبتها في الانسحاب من سوريا على لسان رئيسها دونالد ترامب وعادت وتراجعت عن هذا القرار بعد اجتماع طارئ وشديد الأهمية لمجلس الأمن القومي الأمريكي، قد حسمت أمرها نهائياً بعد قيامها بالعدوان على سوريا وقررت ليس فقط الإبقاء على وجودها العسكري في سوريا بل وتوسيع هذا الوجود أفقياً (التمدد الجغرافي على الأرض السورية)، ورأسيًا (تكثيف هذا الوجود بالمزيد من القوات والأسلحة المتطورة)، لإنهاء معادلة توازن القوى التي كانت روسيا وحلفاءها قد نجحت في فرضها بسوريا ولقطع الطريق على مقررات القمة الثلاثية التي كانت قد عقدت في أنقرة قبيل أيام قلائل من ذلك العدوان بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيسي إيران وتركيا، وبالذات إفشال أي جهود روسية لتشكيل تحالف إقليمي بالمنطقة يجمعها بكل من إيران وتركيا وتكون سوريا هي ميدان اختبار القوة لهذا التحالف على حساب مصالح واشنطن ومصالح حلفاءها.

 

الأمر الغريب أن الذي حدث كان العكس تماماً، إذ بادر الرئيس ترامب بالعودة ثانية للحديث عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، وأكد في تغريدة له على “تويتر” بأن “المهمة انتهت بنجاح” في سوريا. وعندما انبرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لنفي هذا التوجه الأمريكي ردت عليه المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز بحسم قائلة: “لم تتغير المهمة الأمريكية. كان الرئيس واضحاً أنه يريد أن تعود القوات الأمريكية إلى الوطن بأسرع ما يمكن”. وكان الرئيس الفرنسي قد أوضح في مقابلة تليفزيونية أنه أقنع ترامب بعدم سحب القوات الأمريكية من الأراضي السورية وقال “قبل عشرة أيام قال الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تريد الانسحاب من سوريا (…) أؤكد لكم أننا أقنعناه بضرورة البقاء لمدة طويلة”.

 

لم يكتف ماكرون بذلك، لكنه زاد بالقول أن “الهدف (بعد العدوان) هو بناء ما يسمى بالحل السياسي الشامل، لوقف النزاع المستمر”، ملمحاً إلى أنه “لا يرغب في رحيل فوري للرئيس الأسد عن السلطة، وأنه من أجل التوصل إلى هذا الحل السياسي الدائم” يجب أن نتحدث مع إيران وروسيا وتركيا”.

 

ربما يكون كلام ماكرون هو التفكير المنطقي بعد شن العدوان، أي لتوظيف العدوان من أجل فرض مسار سياسي يرضي العواصم الغربية والحلفاء الإقليميين والوكلاء السوريين (فصائل المعارضة)، بغض النظر عن الفرص والتحديات التي يمكن أن تواجه هذا التوجه، لكن إعلان ترامب مجدداً عزم الانسحاب من سوريا كان هو الأمر المثير للشك إن لم يكن للريبة، حتى جاء إعلان صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية ليفضح حقيقية نوايا ترامب “الانسحابية” من سوريا وليؤكد وجود خطة أمريكية وراء نية الانسحاب من سوريا قد تكون أشد خطورة ربما من البقاء الأمريكي نفسه في سوريا.

 

فقد نشرت الصحيفة أن الولايات المتحدة “تطلب دعماً عسكرياً من دول عربية لإحلال الاستقرار في سوريا”، وحددت هذا الدعم بأن ترسل السعودية وقطر والإمارات ومصر قوات إلى شمال شرقي سوريا لتحل محل القوات الأمريكية هناك”. وأفادت الصحيفة بأن جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي (الجديد) تواصل مع الدول الأربع بهذا الخصوص.

 

هذا الطلب الأمريكي كانت سارة ساندرز المتحدثة باسم الرئاسة الأمريكي قد ألمحت إليه في معرض تأكيدها لعزم الرئيس الأمريكي سحب قواته من سوريا، ونفى ما جاء على لسان الرئيس الفرنسي من وجود تراجع عن هذا الأمر وقالت “إننا نتوقع من حلفائنا وشركائنا الإقليميين أن يتحملوا مسئولية أكبر عسكرياً ومالياً لضمان أمن المنطقة”.

 

هذا التوجه الأمريكي الجديد بالانسحاب من سوريا يثير مجدداً التشكك في النوايا الأمريكية: هل يريدون حقاً الانسحاب أم يناورون من أجل المزيد من ابتزاز الممولين العرب “الحريصين أشد الحرص على إبقاء القوات الأمريكية في سوريا” بهدف قطع الطريق على النفوذ الإيراني في سوريا؟ بمعنى آخر هل يريد الرئيس الأمريكي وإدارته المزيد من مئات المليارات من الدولارات من الدول العربية من خلال توظيف “الفزاعة الإيرانية” أقصى توظيف، على نحو ما فعل قبل أيام من شن العدوان الأخير على سوريا، أم أنه يريد الانسحاب فعلاً ويريد استبدال القوات الأمريكية بقوات من أربع دول عربية: مصر وثلاثة دول خليجية؟

 

واضح أن الرئيس الأمريكي يريد أن يفرض خيار “الفوضى العامة” وأن يكون الاقتتال العربي المباشر بين الجيوش العربية هو البديل للحرب بالوكالة التي فُرضت على الأرض السورية على مدى سبع سنوات مضت، وواضح أنه يريد أيضاً “توريث الاحتلال” بعزمه على استبدال القوات الأمريكية التي تحتل أراضي في شمال شرق سوريا وجنوبها، دون وجه حق، بقوات عربية تؤدي وظيفة الاحتلال، لكن تحت رايات عربية لتفاقم من مخاطر فرض الانقسام ليس على سوريا وحدها بل على كل الأرض العربية، وأنه يريد أن يصل بالأزمة السورية إلى ذروتها في مسارين، الأول، مسار الاقتتال العربي- العربي، والثاني مسار التعاون والتنسيق الذي يقود إلى التحالف الإسرائيلي – العربي، المباشر عسكرياً وليس فقط سياسيًا.

 

كان الوجود العسكري الأمريكي في سوريا يخدم وظائف محددة أبرزها: الحفاظ على ديمومة الصراع في سوريا على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، والحفاظ على جيوب تنظيم “داعش” في مناطق سورية خاصة في محافظة “دير الزور” لاستخدامها، وقت الضرورة، كمبرر لإبقاء الوجود العسكري الأمريكي في سوريا تحت غطاء الحرص على منع أي ظهور جديد لـ “داعش”، إضافة إلى منع إيران من تنفيذ مشروع طريقها البري نحو لبنان مروراً بالأراضي العراقية والسورية، ومنع الجيش السوري من بسط سيطرته على كامل الأراضي السورية، والتحالف مع المعارضة الكردية لفرض كيان كردي مستقل في شمال سوريا يؤسس لخيار تقسيم سوريا، جنباً إلى جنب مع العمل على المحافظة على أمن ومصالح إسرائيل.

 

هل تقبل الدول العربية المدعوة للمشاركة في هذه القوات القيام بهذه الوظائف وبإملاءات وشروط أمريكية وتحت إشراف أمريكي؟ وهل تستطيع القيام بذلك إن أرادت؟ ولخدمة أي مصالح عربية؟ أسئلة كثيرة مازالت تبحث عن إجابات خصوصاً إذا أخذنا في اعتبارنا الدور الإسرائيلي المريب في كل هذه التطورات.

 

الدكتور محمد السعيد إدريس

أستاذ العلوم السياسية والخبير الاستراتيجي بالأهرام
المقال: منشور بتصريح كتابي من الكاتب

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى