احوال التعليم

العنف والإهمال وغياب الوعي الأسري ونقص الخبرة الإدارية.. قضايا تلاحق التعليم

على مدى سنوات طويلة ظهرت مشكلة المعاناة في العملية التعليمية التي اختلفت من بلد عربي إلى آخر وبعضها يتصل بشكل أكثر تحديدًا بالنظم التعليمية في بعض الدول العربية، نجد أن هناك الكثير من السلبيات في النظم التعليمية التي لم يتم التعرض لها بجدية لإيجاد الحلول المناسبة، وهذه غالبا ما تكون ذات الصلة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 

ومن أهم أسباب تأخر العملية التعليمية في الوطن العربي، الحاجة الملحة إلى مباني المدارس القليلة التي لا تكفي الأعداد الجديدة، والمعلمين، والمعدات، وهذه الأمور تحتاج إلى الأموال.

 

ورغم الأسباب سابقة الذكر على مستوى الوطن العربي، نتطرق هنا إلى ما شهده بداية الموسم الدراسي في مصر حاملًا معه كثيرًا من الأوجاع والقضايا التي هزت مواقع التواصل الاجتماعي، وجعلت من السوشيال ميديا حديث الساعة.

 

بدأ الموسم الدراسي، الذي لم يمر عليه أقل من شهرين، كثيرًا من الحوادث تجعلنا نطرح الكثير من الأسئلة، عن سبب العنف داخل المدارس، وعدم وجود الحنكة والخبرة في أساليب القيادة الإدارية الناجحة للمدارس والإدارات التعليمية، والإهمال في مراقبة الطالب وسلوكه، والكثير من الأسئلة التي ستكون محل تحقيق قادم سنتناوله كلٌّ على حِدَة من أجل النهوض بالمنظومة التعليمية.

 

ونستعرض معا بعض هذه الحوادث وما هي أسبابها وكيفية الحد منها

 

المشكلة الأولى: حدثت في مدرسة زهراء مدينة نصر، عندما تشاجرا تلميذان معا، وما كان لأحدهما سوى الإتصال بوالدته ليكون رد فعلها أن تأتي إلى المدرسة وتقتحم الفصل وتسحل الطالب الذي تشاجر مع ابنها على سلالم المدرسة وتمزق ملابسه في فناء المدرسة على مرئي ومسمع من المدرسين، وقامت بتهديد ولية أمر الطالب المضروب بعدم التعرض لها وعدم تحرير محضر بالواقعة.

 

وتعقب منال زكريا، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة: “إن ما حدث بين الطالبين شئ عادي جدًا يمكن أن يحدث لغيرهما، ولكن البعد النفسي هنا خاص بالأم التي قامت بضرب الطالب، فهي شخصية متسرعة في أخذ القرار وتميل إلى العدوانية”، لافتةً إلى أن هذه الشخصية تسبب الكوارث والحوادث.

 

وعن سلبية إدارة المدرسة التي من مهامها حماية الطلاب، أوضح عبد الباسط، خبير تربوي، أن سلبية إدارة المدرسة وطاقم المعلمين نابع من عدم الإحساس بالمسؤولية تخوفا من أن يأخذوا موقف ضد تجاه أي شخص، وتخوفًا من المسائلة القانونية.

 

المشكلة الثانية: حدثت في إحدى مدارس الإسكندرية، عندما قام معلم بضرب طالب في المرحلة الإعدادية، وعلى أثرها حضر ولي الأمر إلى المدرسة وتشاجر مع المعلم، مما أدى إلى وفاة ولي الأمر نتيجة لزيادة ضربات القلب.

 

وتوضح منال زكريا أن الضغط النفسي الواقع على الأسرة نتيجة الأعباء المالية خلال الموسم الدراسي من دروس خصوصية مازلنا عاجزين على القضاء عليها، وغيرها، يولد الكثير من المشاعر السلبية تجاه القائمين على العملية التعليمية في حالة تعرض ذويهم لأي ضرر يلحق بهم، مما يدفعهم إلى محاولة تفريغ الشحنة السلبية بداخلهم، فلماذا لم يفعل الأخصائي الاجتماعي بالمدرسة على خلق توعية وكسر الجدار الحاجز بين ولي الأمر والمدرس، ومشاركته بجدية في متابعة سير العملية التعليمية.

 

المشكلة الثالثة: إهمال معلمة في توفير رعاية طبية لطالب تعرض للإصابة بجرح داخل المدرسة، وذلك لأن التأمين الصحي في المدارس حبر على ورق، فالعيادات المدرسية غير جاهزة وغالبًا ما تكون مغلقة، وخالية من توافر الأدوية اللازمة.

 

المشكلة الرابعة وليست الأخيرة: تعرضت إحدى مدارس بنات مدينة نصر، لدخول بعض البلطجية إلى فناء المدرسة وإشهار سلاح أبيض “مطواة” وتهديد الطلبة في ظل غياب إدارة المدرسة وأفراد الأمن.

 

جرت العادة على مدار عقود ماضية أن يتم معاقبة المعلم المقصر سواء لسوء سلوكه أو عدم التزامه بنقله لمدرسة أو إدارة أخرى سواء داخل المحافظة التي ينتمي لها المدرس أو خارجها، إلا أن هذا النوع من العقاب الذي لا تستخدمه المنظومة التعليمية فحسب بل كافة مؤسسات الدولة تسبب في كوارث أخلاقية، وانتقال وانتشار لبؤر التقصير والفساد في أرجاء المجتمع المصري.

 

فهل لهذا النظام في العقاب من الاستمرار رغم ثبات فشله وتأثيره على المجتمع المصري، أم حان الوقت لاستبداله بأساليب أخرى تتخذ من الإصلاح نهجًا لها.

 

يقول كمال مغيث، خبير التعليم وعضو المجالس القومية السابق، أن استخدام (النقل) كوسيلة لمعاقبة المعلمين سواء المقصرين في عملهم من الناحية المهنية أو من قام منهم بتجاوزات أخلاقية يعد إهانة للمنظومة التعليمية بصفة عامة وللمكان الذي يتم نقل هذا المعلم له بصفة خاصة، واستهانة بحق الطلاب من أبناء الوطن في تلقي العلم على يد معلم لم يحترم القيم الأخلاقية قبل المهنية.

 

مضيفًا أن نقل المعلم المقصر إلى مدرسة أخرى يعطي له مساحة في تكرار نفس الأخطاء التي سبق وتم معاقبته بسببها خاصة وإذا كان قرار النقل في نطاق بعيد لا يسمح بتناقل السمعة.

 

ولفت مغيث إلى ضرورة الرجوع إلى المدرسة التي تم نقل هذا المعلم منها والإدارة التعليمية التابعة لها والتحقيق معهم  في ملابسات قرار النقل الغير مدروس قائلًا: ”كيف يتم نقل مدرس سيء السير والسلوك إلى مدرسة بنات ثانوية في سن حرجة بدلا من معاقبته بشكل قانوني وبطريقة لا تضر بصالح المنظومة التعليمية، وكأن هذا القرار جاء على سبيل المكافأة لهذا الذئب البشري”.

 

وأشار مغيث إلى أن الاحتلال الإنجليزي هو من وضع الجذور الأولية لاستخدام مثل هذه العقوبة من خلال قانون إداري تم سنه عام 1912 مع بداية استعدادهم للحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث كان الغرض الأساسي منه هو تشتيت حياة المصريين المشتغلين بالسياسة والمنددين بالاحتلال الإنجليزي من خلال نقلهم تعسفيا إلى أماكن نائية يقل فيها حدة تأثيرهم في القضايا الوطنية والمحيط الذي تم نقلهم إليه، ولكن مع الآسف استمرت الحكومات المصرية في استخدام هذا الأسلوب الغير مجدي بدلا من البحث عن أساليب جذرية.

 

واقترح عبد الناصر إسماعيل، متحدث سابق باسم اتحاد المعلمين، عمل ميثاق شرف للمعلم  يتم بناء عليه محاسبة المعلمين في حال تقصيرهم أخلاقيا أو مهنيا، بشرط أن لا يتم اقصاء أي معلم خارج المنظومة التعليمية بدون حكم قضائي يثبت إدانته، حتى لايتم اتهام المعلمين عشوائيا، ويتم استغلال الحق في نشر الباطل.

 

فيما اتفق معه الدكتور كمال مغيث مؤكدًا ضرورة تقسيم المخالفات الأخلاقية للمعلمين لشرائح فلا يمكن وضع التجاوزات اللفظية أو المشادات الكلامية في خانة عقاب واحدة مع التحرش الجنسي، أو احتقار الأديان، أو التطرف وممارسة العنف، مشيرًا إلى أن استخدام النقل مع المخالفات الأخلاقية الأخيرة على سبيل العقاب يعد نوع من التراخي الإداري من قبل وزارة التربية والتعليم واستهتار بالأمانة التي أودعها أولياء الأمور في أيدي الحكومة كي تعود لهم بعد استكمال التربية قبل التعليم، فلابد أن يتم تطوير نظم العقاب بالمؤسسة التعليمية لتأخذ شكلا أكثر جدية وصرامة وقطعية بعيدًا عن أنصاف الحلول.

 

وأكد عبد الحفيظ طايل، رئيس مركز الحق في التعليم، على ضرورة أن يتحول قرار نقل المعلم من محيط عمله من خانة العقاب إلى خانة الاختيار وأن يكون المقصد منه تيسير العمل على المعلم وليس العقاب أو الاستبعاد. 
 

 

ووصف طايل عواقب الاستمرار في استخدام النقل كوسيلة للعقاب داخل المنظومة التعليمية بالوخيمة ففي حال تعرض معلم للنقل ظلمًا فإنه لن يؤدي عمله في المكان الذي تم نقله إليه على الوجه الأكمل لشعوره بالاضطهاد والقهر، كما أنه في حال اتخاذ قرار بنقل معلم مقصر فعليا فإن هذا القرار لا يعد عقابا للمعلم المقصر أو المخالف وإنما عقابا مزدوجا للأجيال التي تتعامل معه لنجد أنفسنا أمام تكرار لا نهائي للكثير من المشاكل.

 

ومن ناحية أخرى أوضح طايل أن جملة (سوء السير والسلوك ) هي كلمة فضفاضة المعنى قد ترتبط بعدم الانضباط في مواعيد الحضور والانصراف أو المعاملة الغير لائقة لرؤساء العمل، انتهاءً بممارسة أفعال غير اخلاقية كالضغط على الطلاب من أجل الدروس الخصوصية أو التحرش جنسيا بالطلاب أو استخدام المدرسة في تحقيق أغراض غير تعليمية.

 

فيما طالب مغيث بعدم استخدام النقل كوسيلة لمعاقبة المعلمين ممن يثبت عليهم سوء السير والسلوك، بحيث يتم استخدام وسائل الخصم والإيقاف عن العمل أو لفت النظر مع حالات التقصير التي لا تمس سير العملية التعليمية من الناحية الأخلاقية أو المهنية كعدم الانضباط في الحضور والانصراف وما شابه ذلك من مشاكل.

 

على أن يتم على الجانب الآخر تحويل المعلمين المقصرين في أمور تخص النواحي الأخلاقية وما شابه ذلك إلى التحقيق مع استمرار تواجدهم في أماكنهم في حال عدم ثبوت التهم الموجهة إليهم حتى في حال التأكد التام من إدانتهم وبراءتهم بسبب عدم كفاية الأدلة؛ لأن استمرارهم في أماكنهم إما أن يرجعهم عن التمادي في الخطأ لعدم تكرار توجيه الاتهام لهم، أو يكون بمثابة طريق للتحصل على دليل الإدانة الكافي لعزلهم من العملية التعليمية نهائيا، أو تحويلهم للعمل الإداري، مؤكدا أنه في كافة الأحوال فإن استمرار استخدام النقل في عقاب المعلمين لا يضر المنظومة التعليمية فحسب وإنما يضر المجتمع المصري ككل ويسمح بارتكاب مزيد من التجاوزات الغير أخلاقية.

 

ومن ناحية أخرى نصحت منال زكريا بتدشين ورش نفسية مشتركة بين المدرس والإداري قبل بداية العام الدراسي لتنسيق العمل بينهم اثناء الموسم الدراسي كما يجب نشر برامج وحملات توعوية للأسرة عن كيفية التعامل مع أولادهم ونبذ العنف الذي انتشر في المجتمع في الآونة الأخيرة.

 

كتبه-سعاد حسن

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى