اقتصاد وموانئ

إقتصادي: حرب “الأكواد السرية” تكلف روسيا مليارات الدولارات

قال أبوبكر الديب، الباحث في العلاقات الدولية، أن المتابع للمشهد العالمي هذه الأيام وخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الأمريكية وما تلاها من حرب اقتصادية غربية علي روسيا وتمثلت في توقيع عقوبات قاسية من أمريكا وحلفاؤها وخاصة الأوروبيون علي روسيا ومصالحها الاقتصادية والتي هزت الاقتصاد الدولي وأحدثت دموع بلا دماء، وكلفت الاقتصاد الروسي مليارات الدولارات.

وأضاف الديب، أن الإقتصاد العالمي والذي تمتلك واشنطن أكواده السرية، اهتزت مؤشرات بعد أن كشرت أمريكا عن أنيابها ولعبت بورقة العقوبات في وجه المارد النووي “موسكو”.

وذكر أنه رغم أن الحروب العسكرية في العالم لم تتوقف منذ الحرب العالمية الثانية إلا أن أمريكا جهزت نفسها لحرب أخري هي الحرب الاقتصادية طبعا بجانب حروب أخرب كالحرب السيبرانية وغيرها مستغلة امتلاكها السلطة المالية والإقتصادية وتحكمها في العملة الدولية الأقوي وهي الدولار في محاولة لإلحاق الدمار الاقتصادي لروسيا مثلما حاولت من قبل مع ايران والصين ولكن هذه المرة بشكل أشد.

وقال إنه في العموم تختلف الأسلحة المستخدمة بالحروب الإقتصادية والتى منها  الحصار الاقتصادى، المقاطعة الاقتصادية، الغزو الاقتصادى، وافتعال الأزمات، والعقوبات الاقتصادية فما بين  السيطرة على أسواق العدو بالإغراق والإحتكار لاضعاف الإنتاج والسيطرة عليه وسيطرة شركات احدي الدول على خطوط إنتاج وصناعات حيوية في الدول المستهدفة ومنها أيضا المقاطعة الاقتصادية عبر مقاطعة سلع ومنتجات دولة معينة عبر فرض عقوبات علي عمليات الاستيراد والتصدير إليها وأيضا الحصار الاقتصادي ويشمل منع دخول أو خروج السلع للدول العدو واخيرا الأزمات الاقتصادية للقضاء على مقدرات ومدخرات العدو.

وأشار الي أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك بتاريخ معقد للغاية مع الحروب الاقتصادية خلال القرن العشرين، حيث كانت أمريكا طرفا في صراعات رئيسية خلال هذا القرن أبرزها الحربان العالميتان والحرب الكورية وحرب فيتنام.

وقال: نظرا لأن القوة الإقتصادية فى ظل العولمة أصبحت توازي القوة العسكرية امتلكت أمريكا أكواد الاقتصاد العالمي السرية عبر نظام سويفت والذي يعتبر سلاحا نوويا إقتصاديا وهو اسم مختصر لجمعية الإتصالات المالية العالمية بين البنوك مقره في بلجيكا وتديره شركة خاصة منذ عام 1973 وهو عبارة عن وسيط لإرسال أوامر الدفع ونقل الأموال بين البنوك والمؤسسات الدولية عبر حوالي 42 مليون رسالة يوميه ويضم 11 ألف مؤسسة وأكثر من 200 دولة، ولا تستطيع أي دولة التخلي عنه وبالتالي عندما تحرم أمريكا أو تخرج أي دولة عنه فانها تضربها ضربة قوية يمكن أن تشل اقتصادها.

وأوضح أن الإقتصاد العالمي استيقظ علي ضربة جديدة بعد أن كان يتنفس الصعداء من تداعيات فيروس كورونا، والتي فقد فيها نحو 13.8 تريليون دولار في 5 سنوات، بعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وما رافقها من فرض عقوبات قاسية على روسيا، والتي تسببت فور وقوعها في ارتفاع النفط والغاز والذهب والقمح والحبوب بشكل عام وانخفاض الأسهم وتعثر التجارة العالمية.

وأشار إلي أن أسواق الأسهم حول العالم تكبدت تراجعات حادة، واكتست البورصات العالمية باللون الأحمر، وانهارت الأسهم الروسية، وهوت الأسهم الأوروبية والأسيوية والعربية وانخفض سعر العملة المشفرة بيتكوين، فيما صعدت أسعار الذهب، الذي يعد ملاذا أمنا، وقفزت أسعار النفط حيث صعدت العقود الآجلة لخام “برنت” بأكثر من 6% إلى 100 دولارات للبرميل، في ظل مخاوف المستثمرين من تأثر إمدادات الخام بتطور الأحداث المرتبطة في أوكرانيا.

وأوضح أن أسعار الشحن قفزت في ظل كفاح مشتري النفط الخام للعثور على شركات شحن مستعدة لإرسال سفنها إلى الموانئ الروسية بسبب عمليات القصف في أوكرانيا وتسببت الحرب في ارتفاع متواصل لأسعار الغاز الطبيعي على المستوى العالمي، وارتفعت أسعار السلع الزراعية حيث تلعب كل من روسيا وأوكرانيا دوراً جوهرياً في استقرار الأمن الغذائي العالمي، وهما يساهمان معاً بحوالي ربع الصادرات العالمية من الحبوب.

وخوفا من انقطاع إمدادات الحبوب بسبب التوترات الحالية، قال الديب إن أسعار العقود الآجلة للقمح ارتفعت على المستوى العالمي بحوالي 10%، وارتفعت أسعار القمح للمرة الثالثة في أكبر زيادة تاريخية على خلافية الحرب الروسية الأوكرانية، لسجل أعلى مستوى منذ 10 سنوات، وبلغ سعر القمح 344 يورو للطن الواحد لدى مجموعة “يورونكست” التي تدير عددا من البورصات الأوروبية، واقتربت أسعار الذرة من أعلى مستوياتها منذ يونيو 2021، كما ارتفعت أسعار المعادن حسث تسيطر روسيا على إنتاج وتصدير عدد من المعادن على المستوى العالمي، ومنها: الألمنيوم، والنيكل، والبلاديوم، وتفاقم الضغوط التضخمية العالمية، والمرتفعة بالفعل وصعدت أسعار الذهب لأعلى مستوياتها خلال عام، ومن المتوقع أن تشهد أسعار الطاقة بشكل عام والنفط والغاز علي وجه الخصوص ارتفاعا متسارعا مع تصاعد الحرب.

وقال إن العقوبات الغربية علي روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين ستكون لها عواقب قاسية علي لاقتصاد الروسي، وضعف الروبل الروسي، ووقف مشروع “نورد ستريم 2 ومن المتوقع أن يقوم مديرو الأموال بسحب السيولة من صناديق سندات الأسواق الناشئة ومنها روسيا استبعاد البنوك الروسية من منظومة المال البريطانية والغربية بشكل عام والتي تمثل مع حلفاءها أكثر من نصف الاقتصاد العالمي، كما ستمنع الروس من الوصول الي الدولار والعملات الاوروبية، مع فصل روسيا عن نظام التحويل المالي العالمي “سويفت”.

وأشار الديب إلى أن العقوبات ستنهي الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي وتجمد أصول أكثر من 200 فرد وكيان روسي اضافة لمنع الخطوط الجوية الروسية “إيروفلوت” من الوصول إلى أوروبا وأمريكا، وفرض قيود على التجارة مع موسكو وحظر على الصادرات، وحظر تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا بما في ذلك المعدات التكنولوجية والرقائق الإلكترونية واخضاع شركة “روستيخ” التكنولوجية ضمن جملة الكيانات الروسية المعرضة للعقوبات.

وقال إن العقوبات تعرقل عمل البنوك الروسية وكذلك شركات الغاز والنفط وعزل الحكومة الروسية عن التمويل الغربى، وقطاعات الخدمات المالية والطاقة والنقل وسياسة التأشيرات والقوائم الإضافية للأفراد الروس ومعايير الإدراجات الجديدة، واستهداف 70 % من السوق المصرفية الروسية والشركات الرئيسية المملوكة للدولة، ومنها شركات في مجال الدفاع بالإضافة إلى إدراج المزيد من الروس على قوائم سوداء على خلفية غزو موسكو لأوكرانيا.

وأكد أن روسيا تعد من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، بطاقة إنتاجية تتجاوز 13 مليون برميل من النفط يوميا ونحو 680 مليار متر مكعب من الغاز سنويا ويشكل إنتاج روسيا من النفط والغاز 13 و18 % على الترتيب من الإمدادات العالمية، ونحو 40 % من سوق الغاز الأوروبية.

وذكر أن الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فرضا عقوبات واسعة النطاق ستؤثر بشكل أكبر على القوة الاقتصادية لروسيا وخسر فاحشو الثراء في روسيا، الذين يصنفون بين أغنى 500 شخص في العالم، 83 مليار دولار، وفقاً لمؤشر بلومبرج للمليارديرات ومع شدة الانهيارات، اضطر المركزي الروسي لوقف التداولات في سوق الأسهم أمس الاثنين، مما يعني أن بعض الخسائر قد تم إبطاؤها وتراجعت أسهم الشركات الروسية المدرجة في لندن، إذ انخفضت أسهم نوفاتيك لإنتاج الغاز، وشركة سيفيرستال لصناعة الصلب، بأكثر من 50% يوم الاثنين بعد أن شددت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى العقوبات وعلاوة على الخسائر الورقية، بدأت العقوبات تقترب من الداخل الروسي إذ أصبح الطيران بطائرات بوينج وجلف ستريم وبومباردييه أكثر صعوبة الآن بعد أن انضم الاتحاد الأوروبي إلى المملكة المتحدة يوم الأحد في حظر الطائرات الخاصة المملوكة لروسيا من مجالها الجوي كما قد تصبح مشتريات الروس السرية للعقارات الراقية في لندن أكثر صعوبة أيضاً، مع تشريعات التتبع السريع في المملكة المتحدة التي تتطلب من مالكي العقارات الأجانب الكشف عن هوياتهم، بدلاً من الاختباء وراء الشركات القابضة وتخطت الخسائر منذ مطلع 2022، نحو الـ83 مليار دولار.

وأكد أن اقتصاد روسيا البالغ حجمه 1.5 تريليون دولار يعاني بالفعل من العقوبات التي استهدفت البنوك الرئيسية وقد تمنع بوتين من الوصول إلى الجزء الأكبر من احتياطيات البنك المركزي التي تزيد عن 640 مليار دولار، وهناك خسائر بالمليارات بعد انسحاب عملاق النفط البريطاني “بي بي” من روسيا، وتصل حصة المجموعة البريطانية في رأس  رأس مال شركة “روسنيفت” الروسية إلى 19.75 %، وهو ما يجعل الانسحاب ضربة قاسية للاقتصاد الروسي.

وأكد أن الاقتصاد الروسي خسر في عام 2014 عن ضمه شبه جزيرة القرم جراء العقوبات الغربية 40 مليار دولار، فيما أعلنت روسيا أنها سترد بقوة على العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، مشيرة إلى أن هذا الرد لن يكون بالمثل بالضبط، مؤكدة أنها قادرة على تقليص الأضرار الناجمة عن العقوبات.

كتبه| محمد فتحي

موضوعات متعلقة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى